السبت، 22 يناير 2011

خاطرة من وحي الثورة التونسية د. سعد بن مطر العتيبي


 
   


نحو وعي فقهي سياسي
خاطرة من وحي الثورة التونسية
د. سعد بن مطر العتيبي

الحمد لله الذي أذهب عن بلاد تونس حكماً استبدادياً طاغياً ، يحارب عبداً إذا صلى ، لا يوقّر شيخاً ولا يرحم طفلا ، حارب المسجد والقرآن ، وتحدث في مجلس حكمه (المسمى برلمانا ) ومن خلال وزير شؤونه الدينية بأقبح كلام حول الأذان ، حتى وصفه بالتلوث الصوتي ، وزعم أن التوانسه لا يقبلون وجود هذا التلوث !

كم من عالم و داعية و مستشارا شرعي قد وجد الناس إليه سبيلا ، لم سبق له أن استمع لصوت أو قرأ خطابا من تونسي أو تونسية ، يشكو إليه حاله في عبادته أو علاقاته بغيره أو كيفية صلاته في مجال عمله أو غير ذلك من مظان الاضطهاد والابتلاء ؟!

ولذلك فلا عجب أن فرح التوانسة بزحزحتهم للطاغية ابن علي عن حكم بلادهم ، وإحكامه قبضته من قبل عليهم. وفي سبيل وعي فقهي سياسي ، ثمة إشارات ينبغي ذكرها نقاطا مختصرة جدا :

أولها :الطغيان لا يدوم ، لأن مبناه على الظلم الذي هو أهم أسباب سقوط الدول وهو عكس العدل الذي هو أهم أسباب بقائها ؛ وقد ذكر ابن خلدون أن الحكم الاستبدادي ( الطبيعي ) سريع الانهيار بالنسبة لبقية أنواع الحكم ، ونبه إلى أن الحكم العقلي ( كالديمقراطي ) أطول عمراً ، وزيادة عمره بقدر تأخره في التحول - مع الزمن - إلى حكم استبدادي ، وأنَّه ما إن يدخل دائرة حكم الاستبداد حتى يكون أسرع إلى نهايته .

ثانيها : أنَّ الخيار السلمي في إنكار منكر الظلم والأمر بمعروف العدل ، هو الخيار الأصلح الأسلم في هذا العصر . والأصل أن يكون في كل بلد بحسب المتاح من نظمه وقوانينه بما لا يخالف شرع الله .

ثالثها : أن الطغيان لا يحتكم إلى شرع ولا إلى قانون ، غير أنَّ المسلم محكوم بدينه ؛ فلا يتخذ من الوسائل المحرمة وسيلة إلى الغايات ؛ وكم كان مؤسفا أن يقوم عدد من مواطني بعض البلاد العربية بإحراق أنفسهم ، اقتداء بما جرى للشاب التونسي الذي أحرق نفسه لما لقيه من قهر وحنق ، وربما قام بذلك جهلاً منه بالحكم الشرعي الذي يجرّم الانتحار - فكيف إذا أضيف إليه جرم آخر هو : الحرق بالنار - أو في حالة غضب عارم لم يشعر بعده ما يصنع ؛ وعلى كل حال ، فأمره إلى الله ، ولا نملك إلا أن نقول : رحمه الله !

وعلى كل حال ، فقد صحح الشعب التونسي الوسيلة ، فانتقلوا إلى إحراق الطاغية بدل إحراق أنفسهم ، كما يقول بعض المفكرين التونسيين ؛ وذلك من خلال التظاهر السلمي المسموح به ولو شكليا في النظم التي تزعم الديمقراطية . وإنك لتعجب ممن يجرمون العمليات الاستشهادية في فلسطين ، ثم يبتهجون بالعمل الانتحاري حقا ، وكان يسعهم أن يشيدوا بغضبة المقهور وإبائه للضيم لا بالدفاع عن فعل محرم بالاتفاق .

رابعها : أنَّ التيارات والأحزاب ، ينبغي أن تكون على وعي بخطورة الفراغ السياسي ؛ فيجب لزعاماتهم - على اختلاف مشاربهم - أن يقدموا مصلحة وحدة المجتمع وسلامة الوطن على كل مصلحة شخصية أو حزبية ؛ فيدركوا خطورة الفراغ ويسارعوا بملئه بما يحفظ وحدة المجتمع ومكتسبات الأمة . وقد أشار الفقيه السياسي الكبير إمام الحرمين الجويني إلى أن على العلماء أن لا يسمحوا بوجود الفراغ السياسي الذي يؤدي للفتنة . وأن عليهم أن يقوموا بواجبهم في الحفاظ على الأمة في المرحلة الانتقالية ، درءاً للفتنة ، حتى تتحد الأمة ، وتأمن الفساد والخراب والتفكك.

ولعل من أهم وظائف العلماء في مثل هذه الحال في هذه العصر : أن يبادروا إلى درء الفتن ، وبناء الوحدة الوطنية الأصلح في تحقيق المصالح ودرء المفاسد منطلقين من أصول الإسلام ومبادئه وموازنته الشرعية . وعليه ؛ ففي مجتمعات تعمقت فيها الأحزاب غير الإسلامية فكرا ، ينبغي أن يتم التعاون في المشترك الوطني الذي حفظ للأمة كيانها ، ويُعملوا قواعد التدرج في بناء دولة تدرأ المفاسد ، و تحقق ما أمكن من المصالح .

وليس من المناسب طرح ما تقتضي السياسة الشرعية التأني في طرحه . ففرق بين تقرير الأحكام الشرعية الثابتة والمتغيرة ، الذي يجب أن يستمر وتتوارثه الأجيال ، وخاصة ما كان من قبيل ( فقه المُنْسَأ أي : المؤخر لحينه ) ، وبين ظروف تطبيق ذلك وآليات تنزيله في الواقع ، التي تحكمها ظروف المرحلة وفق أسس شرعية معروفة عند علماء الشريعة .

وهذا التعاون في المشترك المشروع هو ما يفتي به علماء الأمة وفقهاؤها الكبار ، ومن ذلك ما نجده من ذلك في قرارات المجمع الفقهي ، وفتاوى اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية .

خامسها : ينبغي على علماء تونس ودعاتها أن يكون لهم جمعية تضمهم ، أو مؤسسة تنتظمهم ، أو لقاءات يتواصلون فيها بينهم ، حتى يكون لهم رأي عام يتفقون عليه ما أمكن ، فإن لم يمكن الاتفاق ، فالأكثرية مقدمة ما لم تكن معارضة لنص صحيح صريح أو قاعدة متقررة ، لا تتنازعها قواعد بمنزلتها ، ولهذا أصل في قاعدة التغليب في الفقه الإسلامي .

سادسها : أن يقدم رأي علماء تونس الشرعيين الموثوقين ، على رأي غيرهم فيما يتعلق بتقرير التعاون والمشاركات السياسية داخل بلادهم ونحوها من أحكام الفقه السياسي ؛ كما ينبغي عدم التثريب عليهم فيما يرونه من أحكام أو آليات في إطار المسائل الاجتهادية التي يسوغ لهم فيها العمل بما يصلون إليه منها باجتهاد معتبر .

سابعها : يا لخسران من مُكِّن من حكم بلد ثم لم يكن حكمه له سببا لدخوله الجنة .. وقد ثبت أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ( إمام عادل ) ؛ فيا لخسارة من حكم شعبه بغير العدل الإسلامي الذي يشمل المسلم وغير المسلم ، وفوَّت على نفسه فرصة نشر الإسلام والدعوة إليه ، وفتح المجال لدعاته الصادقين الناصحين الملتزمين بالوسطية الإسلامية الحق .

ولقد أخذ بي التفكير مأخذه ، وأنا أتأمل حال طاغية تونس وقد مُكن من حكمها ما يقارب ربع قرن ، وقد ظن أن حصونه مانعته من الله ، فأتاه الله من حيث لم يحتسب ؛ فغادر حكمه هاربا تعيسا بئيسا مطرودا مذموما عند شهداء الله في أرضه ، ولم يؤثر عنه غير السوء ومحاربة عباد الله وتعذيبهم والتنكيل بهم من خلال زبانيته ..

فهل يعي بقية الحكام الذين يسيرون ذات السيرة السيئة قبل أن يغادروا مناصبهم بطرد أو هلاك ؟! فإنَّ الثورات الشعبية كالزلازل ، لا يمكن التنبؤ بوقوعها ، وكذا الهلاك ، قدر لا يدري أحد متى أجله . فهنيئا لمن وفقه الله فاستعمله في نصرة دينه ، ويا خسارة من مكنه الله من العمل فلم يعمل ، أو استعمله الشيطان في توهين الإسلام وإخفاء شعائره ومحاربة الدعوة إليه .

نسأل الله تعالى أن يبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيها أهل طاعته ويخذل فيها أهل محادته .
وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق