الاثنين، 27 ديسمبر 2010

حماس ومشروعية التدرج في تطبيق الشريعة



كاتب الموضوع : ابنة السنه

فضيلة الشيخ يدور كلام كثير حول حكم التدرج في تطبيق الشريعة ، فما هو الجواب في هذه المسألة ؟!

السائل: زائر
الشيخ حامد العلي

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :

قبل أن نبيـّن هذه المسألة الجليلة ، ينبغي أن ننبّه إلى أنَّ من أعظم أسباب انتشار الخلاف ، وإعقابه الفتن ، هو خوض من هبّ ودبّ في مثل هذه المسائـل ، حتـَّى تقطعـوا رأيهم بينهـم زُبـُراً ، كلُّ حزب بما لديهم فرحون ، ولو أخذوا بمفهومي الإجتهاد ، والتقليد ، الذين وضعهما علماؤنا لضبط الفتوى ، فلا يخوض في هذه المسائل إلاَّ من شُهـد له بالعلم ، واشتهر بذلك ، وعـُرف شيوخـُه فيه ، ثـمَّ المقلـد يصمـت ، لقضي على أكثـر هذه الفتن .

وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه : أنَّ عمر غضب لما سمع كلاما من عامة الناس في موسم الحج عن شأن البيعة ، ‏فقال : ( إني إن شاء الله لقائم العشيَّة في الناس ، فمحذرهم ، هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم ، قال ‏ ‏عبد الرحمن بن عرف رضي الله عنه : ‏ ‏فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإنّ الموسم يجمع ‏رعاع ‏الناس ‏ ‏وغوغاءهم ‏ ، ‏فإنهم هم الذين يغلبون على قربك ، حين تقوم في الناس ، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كلَّ ‏ ‏مطير ‏، ‏وأن لا يعوها ، وأن لايضعوها على مواضعها ، فأمهل حتى تقدم ‏ ‏المدينة ‏ ، ‏فإنها دار الهجرة ، والسنة ، فتخلص بأهل الفقه ، وأشراف الناس ، فتقول ما قلت متمكنا ، فيعي أهل العلم مقالتك ، ويضعونها على مواضعها ، فقال ‏ ‏عمر : ‏ ‏أمَّا والله ، إن شاء الله ، لأقومن بذلك أوَّل مقام أقومه ‏‏بالمدينة).

قال ابن حجر رحمه الله : ( وفيه التنبيه على أنّ العلم لا يودع عند غير أهله , ولا يحدث به إلاّ من يعقله , ولايحدث القليل الفهم بما لا يحتمله ) .

والمصيبة اليوم أنَّ الذي يضع مقالات العلماء في غير مواضعها ، ويطير بها كــلّ مطير ، ليس الغوغاء ، ورعاع الناس فحسب ، بل أسفل منهم ، وهـم الحثالة ، ذوو الجهالة ، والأسمـاء المختصرة ، والألقـاب التي بغير شيء مفتخرة ، وهم في علوم الشرع ، أحـطّ منزلة من مجهول العين ـ فضلا عن مجهول الحال ـ أي : المبهمون ، وإذا كان من شؤم مجهول الحال أنه يسقط به إسنادٌ مسلسلٌ بالأئمة الثقات إن جرى ذكره فـيه ، فكيف بالمبهـم الذي لايُعـرف أنفـُـه من فيه ؟!!
فهذه والله فتنة لكلِّ مفتون ، وبدعةٌ عابثة عصرية من سخافات العقول ، أبتُلـي بهـم من ابتُلي من ضعاف التفكيـر ، حتـّى أخاضوه في التضليل والتكفيـر .

كما ننبـّه أنّ من خطورة هذه المسألة أنّ بعض الحكـّام يستغلّهـا للالتفاف على الشريعة .

ولهذا فيجب التفريق بين من ظاهـر حاله السعي للتغيـّير ، وهو مع ذلك يقيم الإسلام على نفسه ، ومن تحت يده ، ويعلم من حاله ذلك ، ظاهراً ، وباطنـاً ، فهو من أهل التديّن في الظاهـر ، فيبدو عليه الصدق فيما ينويه من التغيير إلى الشريعة .

وبين من هو مخالف للشرع ، بعيدٌ عنه ، في أحواله الخاصة ، والعامة، فهو يتلاعب بهذه المسألة تلاعب المنافقين بآيات ربّ العالمين ، فهذا لايجوز أن يُجـارى في عبثه بالإسلام ، ومن فعل ذلك فهو شريكه في الآثام .

وعلى أية حال فهذه المسألة التي سأل عنها السائل ، وهي التدرج في تطبيق الشريعة ، قـد تندرج تحت واحـدة من هذه القواعد الكبار :

أحدهما : سقوط التكليف بالعجـز.
والثانية : ( فأتوا منه ما استطعتم ).
والثالثة : ارتكاب أخف الضررين.
والرابعة : تقديم الأرجح عند التعارض بين المصالح والمفاسـد.

وإذا علم أنَّ تطبيق الشريعة في نظام الدولة ـ وليس على نفس الإنسان ومن تحت يده فحسب ـ قـد يعنـي ـ في بعض البلاد ـ تغيير واقع كبيـر مخالف للشريعة ، كثيـر التفاصيل ، في حياة معقَّدة ، تطرأ فيها آلاف المسائل الجديدة ، التي تحتاج إلى علماء ، وقضاة ، على دراية بما يقضـون فيه ، فلا يقول أنـَّه يمكن فعل ذلك بغيـر تدريج مطلـقاً إلاَّ جاهـل لـم يتصوَّر المشروع أصـلا ، وهـو لا يعرف ماذا يعني هذا العنـوان الكبيـر ، وإنما أخذ عنوانـاً وطار فيه مطار الغوغـاء ، والدهماء !

فإذا انضـمِّ إلى أنَّ المشروع في مثل هذه البيئـة ، كونها بيئــةً ذات تحفــُّز دائم لحـرب عدوّ متربّص ، وحصار خانـق منغِّـص ، مع قلـّة الإمكانات ، وضعف القدرات ، فإنَّ من يظن تحريـم التدرّج مطلقـا ، فهو من أجهـل الناس ، ولا يقول هذا ـ أصـلاً ـ إلاَّ من لم يمارس الفتوى ، ولا القضاء ، ولا يعرف أعباءهما في الناس ، وإنما قصـر نظره على مسائل محددة ، وتعصّـب عليها .

وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف ، لنرجّح عند التزاحم ، والتمانع خير الخيرين ، وندفع عند الاجتماع شـر الشرِّين ، ونقدم عند التلازم ـ تلازم الحسنات والسيئات ما ترجح منها ـ فإنّ غالب رؤوس المتأخرين ، وغالب الأمة من الملوك ، والأمراء ، والمتكلمين ، والعلماء ، والعباد ، وأهل الأموال يقع ـ غالبا ـ فيهم ذلك ) الاستقامة (2/168)

إذا كان هذا في ذلك الزمان فكيف بنا نحن اليـوم ؟! وقد انتشر الفساد ، وعم البلاد ، وصارت القوانين الوضعية ، ربما تسري على كلِّ شيء صغيـرٍ وكبيـرٍ ، في حياة الناس.

وكيف ليت شعري يُقـال يحــرم التدرّج مطلقــا ، وأنـّه لايحـل لمن أوتي مقاليد السلطة إلاّ يجعـل الناس يستيقظون بين عشية ، وضحاها ، ليجدوا حياتهم كلّهــا صارت إلى الشريعة محتكمة ، وبالهدى في جميع مناحي الحيـاة ملتزمـة ؟!!

ولهذا فلابد أن يتناقض قائل هذا القول العجيـب في حالـه ، وهو لايشعـر ، ومن الطريف أنّ شخصاً جادلني مرة في هذه المسألة ، فقلت له متى جئت من السفـر ؟ قال البارحة ، قلت بجواز دولتك ، قال نعم ، قلت بأية قوانين دوليـّة سمحوا لك بالدخول ؟ ولماذا أبرزت الجواز وعليه شعار الدولة الحاكمة بغير الشريعة ، طالبا ـ ضمنيـّا ـ العمل بتلك القوانين التي تقنن التنقل بين الدول ، للسماح لك بعبور الحدود ، فبهـت ! وقلت له : أنت تسمع من مجاهيل يكتبون في ( إنترنت ) ، وقّعـوا عقـداً ليسمح لهم بهذه الكتابة في موقـع ، يخضع لقوانيـن وضعية ، مع شركات تخضع لقوانين دول كافرة ، وقد يكونون ـ مع ذلك ـ مقيمين فيها بعد توقيعهم على لجوء سياسي تحتكم قوانينه لتلك الدول ، بما فيها من إقرار بجريانها على أنفسهم ، وأهليهم ، وكلُّ ذلك يعذرون أنفسهم فيه ، ويتأوّلـون ، ثم لايريدون أن يعذروا إخوانهـم في أيِّ تأويل تأوّلــوه ، أليس هذا من التشاحّ النفسي الذين يحصل بين الجماعات بسبب نجاح بعضها على حساب الآخر ليس إلاّ ؟!

وقلت له من يـظنُّ أنه لو قام حاكم يريد العمل بالشريعة ، في ظـلّ بلاء الناس بكلِّ هذه القوانين الوضعيّة ، والواقع المخالف للشـرع ، لايحتاج إلى التدرج حتى يغيـِّر هذا كلَّه ، ولو كان هذا التدرج في الإعلان أيضـا ، حتى إنـّه قـد يضطرّ إلى القول بخلاف ما يضمره لمن يخشى غائلته ، القول بخلاف ذلك من أجـل نجاح التغيير إلى الشرع ، حتـّى يمُضـي من شريعة الله ، ما يمكنه من غيـر أن يفسد عليه ما أراد ، وله أن يفعل ذلك ، وليس هذا من التنازل المذموم .

وليس هذا بأشدّ مما ذكـره ابن حجر في الإصابة في ترجمة الصحابي الجليل عبدالله بن حذافة السهمي لما أسرته الروم : ( فقال ـ أي زعيم الروم ـ قبل رأسي وأنا أخلـّي عنك ، فقال : وعن جميع أسارى المسلمين ، قال نعم ، فقبل رأسه ، فخلّى بينهم ، فقدم بهم على عمر ، فقام عمر فقبل رأسه ، وأخرج بن عساكر لهذه القصة شاهداً من حديث بن عباس موصولاً ، وآخر من فوائد هشام بن عثمان من مرسل الزهري‏ ) ‏.

فهذا الصحابي الجليل ـ إنْ صحت الرواية ـ تأوَّل في تقبيل رأس الطاغوت الأكبر في ذلك الزمـان ، مما ظاهره ـ والصحابة من ذلك براء ـ توقير الطاغوت ، وتعظيمـه ، لما رأى من أنه يجوز تحمّل هذه المفسدة ، في سبيل تحصيل مصلحة راجحة عظيمة.

من يظـنُّ ذلك ، فسبب أنه لم يعان هذا الأعباء العظيمة ، أعني أعباء أمة بعيدة عن دينها ، وشريعة ربها ، ولا يتصور تفاصيلها ، وإنما يجلس مع أمثاله يلقون بالأحكام بغير علم.

وقلت له لقد كان لطالبان سفيـرٌ في باكستان ، والسفير لايقبل رسميا إلاّ وفق قوانين الدولة ، بل كان لها سفير في بعض دول الخليج أيضا ، وكانت تتدرج في تغيير بعض ما يخالف الشـرع ، وتتلطـّف فيها ، حتى تنجح في تغييره ، حــذراً من أن تحصـل مفسدة راجحة ،

فالواجب أن نعذر الذين نعرف عنهـم ، أنهم يحملون مشروعا إسلاميا ، ويتضح ذلك على أحوالهم ، ويبدو جليـَّا من فكرهم ، ومحاضنهم التي يربـُّون فيها أنصارهم ، يجب أن نعذرهـم إن تأوّلوا في التدرج في تحويل المشروع الإسلامي إلى واقع حياتي ، لاسيما مع كثرة أعباءهم ، ومع كثرة الشرور في الناس ، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك كونهم محاربين ، ومحاصرين؟!

ومن يسـوّي بين هؤلاء الإسلاميين ، وبين العلمانيّين الذين يتبنـُّون الفكر العلماني في أحزابهم ، ويربّون عليه كوادرهم ، ويقيمون عليهم مشروعهم سـرَّا وعلانية ، من يسوّي بينهم ، فهـو متنكّب الهدى ، حاكم بالجور ، مثيـرٌ للفتن في بلاد الإسلام .
وقلت : لم يكن العلماء قـطّ يسوّون بين حملة الفكر الإسلامي الذين يتأولون في المشاركات السياسية ، السعـي للتغير عبرهـا ، وبين الأحزاب العلمانية ، فيكفـِّرون الجميع ، ويستحلـُّون دماءهم ، ويدعون إلى قتالهم !!

فهذا الفكر الغالي ، والشاذ جديد على الساحة الإسلامية ، لاندري مـَن رؤوسه ، ولايعرفون بعلم ، ولا سابقة فيه ، ولهذا لايهتدون لتناقضاتهم فيما يدّعون ، فإذا قيل لبعضهم تكفرون هذه الجماعة الإسلامية لأنها تأولت في التدرّج في الشريعة ، أو في المشاركة السياسية ، قالوا لانكفـرّهم ، ثم يعاملونهم معاملة الكفـّار ، ويسمونهـم طواغيت !

ثـمَّ يلقـون بكلامهم هذا إلى الصغار ، والجهـّال ، المتعطشين للجهاد ، ويصورن لهم إخوانهم في الحركات الأخرى كأنهم شياطين في جثمان إنس ، ويدخل بينهم شياطين حقيقية تؤجج هذه النار ، حتى تُذبـح الحركات الإسلامية ـ وبعضها جهادية كما في العراق ـ بسيوف ظاهرها إسلامية ، وحقيقتها جهل بالإسلام ، وظلم للأنام ، تحركها من حيث لاتشعر دوائر الإجرام.

والله المستعان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ونسأل الله أن يكفَّ عاديتهم على الأمـة بلطفه .

ولنعد الآن إلى إيضاح مسألة التدرج في تطبيق الشريعـة : أما اندراج التدرج في الشريعة فيما ذكرت من قواعد الفقه ، فكما يلي :

أما سقوط التكليف بالعجز ، فهذا واضح ، فقد يعجز الحاكـم أن يغيـّر بعض الجوانب ، لعدم وجود آلات التغييـر ، فيسقط عنه ، وإذا كان محاصراً ـ مثلا ـ ولا يمكن جلب القضاة الشرعيين بما يكفـي ، فإنه يتدرَّج ، فيبدأ بما يقدر عليه ، ويؤجِّـل ما يعجـز عنه إلى القـدرة ، وأما فعل ما يقدر عليه العبد من الوجوب ، فكذلك قد يفعل بعض الواجب ، ويتدرج حتى يُكمـل ما وجـب عليه فعله إذا قـدر ، فهذا ما كُلـف به شرعا أصـلا ، وهذا كلـُّه لا إشكال فيه ، ولا يخلو عبـد من الحاجة إليه أصلا ، وهو من تيسير الشريعة السمحة التي جاءت بـ ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) .

وأما إرتكاب أخـفّ الضررين ، فقـد تقـرّر فـي الشريعة ، أنـَّه يجــوز فعل الضرر الأقـل ، إذا كان الأكبـر لايندفـع إلاَّ بذلك ، فلو كان الحاكم يعلم أنَّه لـو منـع التدرج ، لأدَّى ذلك إلى مفسدة أعظم ، هي سقوط المشروع برمِّتـه ، وفشـله ، فله أن يتـدرَّج دفعا لأعظم الضررين .

ويُستدل على قاعدة إرتكاب أخف الضررين ، بما في صحيح البخاري : ( جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد ، فزجره الناس فنهاهم النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فلمـَّا قضى بوله ، ‏ ‏أمر النبيّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بذنوبمن ماء ‏ ‏فأهريق عليه) .

قال ابن حجر رحمه الله : (بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة ، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما . وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما).

فهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجّـل تغيير منكر هو من أعظم المنكر ، وهو البول في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام ، وفي حضرته عليه الصلاة والسلام ، لما في عدم التأجيل من مفسدة أعظـم.

وقال في مراقي السعود :

وارتكب الأخفّ من ضرين
وخيـّرنْ لدى استــوا هذين
كمن على الجريح في الجرحى سقط
وضعف المكث عليه من ضبط

وهذا كما ذكر الذهبي عن ميمون بن مهران ، سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : ( لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل ، إني لأريد الأمر من أمر العامة ، فأخاف ألا تحمله قلوبهم ، فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا ، فإن أنكرت قلوبهم هذا ، سكنت إلى هذا ) تاريخ الذهبي 4/170

وفي البداية والنهاية ( وإني لأريد الأمر ، فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا ، حتى تسكن قلوبهم ) 9/200

وورد عنه أنه قال : ( ما طاوعني الناس على ماأردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً) حليـة الأولياء 5/290

وقال لإبنه أيضا : ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاعما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خيرالحاكمين )حلية الأولياء 5/282، وصفة الصفوة لابن الجوزي 2/128

ولا ريب أنّ إصلاح العوائد المخالفة للشرع ، بالتدريج شيئاً فشيئاً ، مع مفسدة بقاء المظالم بأيدي أصحابها حينـاً من الوقت ، خير من ترك الإصلاح كلّه ، أو الوقوع في فتنة يعقبها فساد كلّ شيء.

وأما العمل بالأرجح عند تعارض المصالح مع المفاسد ، فقد يكون التعجل في التطبيق مفسدته راجحة على مصلحة التدرج ، فيجب سلوك الأرجح.

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قــد لا يترك الحرام البيـِّن ، أوالمشتبه ، إلاَّ عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة ، أعظم من تلك السيئة ،مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة ، والجماعة والحج ، والغزو ـ يعني وحينئذ فلا يترك هذا الحرام بل يفعل ـ وكذلك قد لا يؤدّي الواجب البيـّن ، أو المشتبه ، إلاَّ بفعل سيئة أعظم إثمـا منتركه ، مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكرلذوي السلطان ، إلاَّ بقتال فيـه من الفساد أعظم من فساد ظلمه ) ويعني أنه لايفعل هذا الواجب بل يتـرك في هذه الحالة.

فإذا نظر الحاكـم إلى مآلات الأمور ، وثمارها ، وتبين له أنَّ المصلحة في التدرج أرجح من مفسدة التأجيل ، جاز له فعل ما ترجحت مصلحته .

قال العلامة عبدالرحمن السعدي : ( ومما يؤيد ذلك ما قاله غيرواحد من أهل العلم ، منهم شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم أنه إذا أشكل عليك شيء ، هل هو حلالٌ أم حرام ، أو مأمور به أو منهي عنه ؟ فانظر إلى أسبابه الموجبة ، وآثاره ، ونتائجه الحاصلة ، فإذا كانت منافع ، ومصالح ، وخيرات ، وثمراتها طيبة ، كان من قسم المباح ، أو المأمور به ، وإذا كان بالعكس ،كانت بعكس ذلك ، طبق هذه المسألة على هذا الأصل ، وأنظر أسبابها وثمراتها ، تجدها أسبابا لا محذور فيها ، وثمراتها خير الثمرات).

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ، ونعـم النصيــر.

 الشيخ حامد العلي
المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق