السبت، 20 نوفمبر 2010

الخلافة العثمانية المفترى عليها

الخلافة العثمانية المفترى عليها

بقلم/ أ.د. إبراهيم أبو جابر - مدير مركز الدراسات المعاصرة

(1)

تعرّضت الخلافة العثمانية لسيل من الافتراءات والإهانات، والذم والقدح، وألصقت بها تهم لا عدّ لها ولا حصر، من عربٍ وعجم، عن علم ودراية ومكيدة أو دون ذلك من مقلّدين وناعقين ومثقفين ممن شرّبوا العلمانية وعداء الإسلام في جامعات وكليات ومحافل الغرب ومن يدور في فلكهم.

من المؤسف أن تدوين التاريخ المعاصر لدول الشرق الأوسط -وعلى رأسها تلك الأقاليم التابعة سابقًا لنفوذ الدولة العثمانية- كتبه ودوّنه مختصون ومثقفون متحاملون عليها، لا بل ويحملون أجندة غير إسلامية، كما أشير أعلاه، إما قوميّة شعوبيّة أو ماديّة علمانية، وبهذا لقـّنت الأجيال تاريخ وسيرة خلافة بطريقة مشوّهة وغير أمينة.

إن أبرز ما حاول هؤلاء إثباته -بل تثبيته ودسّه في المناهج الدراسية وفي مادة التاريخ تحديدًا- وصف الدولة العثمانية -أو قل الخلافة العثمانية- بالدولة الاستعمارية؛ استعمرت الوطن العربي واحتلته وكانت سببًا في تخلّف البلاد العربية الحاصل حاليًا (على حد زعمهم) على جميع المستويات، وعلى رأس ذلك المستوى الحضاري والعلمي والتكنولوجي.

مصطلح الاستعمار التركي أو العثماني المنتشر استعماله على ألسنة الناس وفي بطون المناهج الدراسيّة، ما هو إلا بضاعة غربيّة أو "ماركة غربية" فاسدة بل مسمومة هدفها تشويه تاريخ الخلافة الإسلامية وسلخ الشعوب العربية عن دينها الاسلامي، سرّ الانتصارات والغلبة والتفوّق على الآخرين وفي طليعتهم الغرب. هذه البضاعة وهذه الماركة سوّقها الغرب العلماني لمثقفين وقيادات ليبرالية وعلمانية عربية، إما مستأجرة الأقلام أو الهيئات، أو من حاقدين على الإسلام ومناهجه من العرب أنفسهم الذين أُقنعوا أو اقتنعوا بأن الخلافة العثمانية -وفي التالي الدين الإسلامي- هما سبب التخلف في الوطن العربي.

إن الدولة العثمانية دولة إسلامية، وما الخلافة العثمانية أيضًا إلا امتداد للخلافة الإسلامية العامة منذ صدر الإسلام، مرورًا بالأموية والعباسية؛ فالدولة العثمانية حنفية المذهب، كانت تحكم به وتقضي على أساسه، وتدل سجلات الدولة نفسها على ذلك ومنها "مجلة الأحكام العدلية" وهو تقنين للتشريع الإسلامي وفق قواعد المذهب الحنفي.

وفي التالي فإن مصطلح الاستعمار التركي ما هو إلا محض افتراء مقصود سُوّق للعرب، فلاكته ألسن بعض "المثقفين" العلمانيين منهم، ونصارى الشرق. ولإنجاح هذا المشروع ظهرت النعرة القومية "القومية العربية" وأذرعها المختلفة. وقد وضعت في أعلى سلّم أولوياتها طرد الأتراك وسلطتهم عن الأمصار العربية بكل ثمن، وبدعم مباشر وغير مباشر من أسيادهم في لندن وباريس وغيرهما من عواصم أوروبية استعمارية، مقابل مشروع ووعدٍ وهمي اسمه "الدولة العربية"، لم تر النور حتى يومنا هذا؛ وعليه كانت هناك ضرورة لطرح وتسويق مصطلح الاستعمار التركي للوطن العربي لإثارة النعرة القومية في نفوس العرب ورفع شعار يحاربون من أجله، وهذا ما حصل، فقد ارتكبت مجازر في حق الجيش التركي المسلم، وحوصروا وجُوّعوا وسُلبوا أسلحتهم وأمتعتهم وأموالهم، ومات الكثيرون منهم جوعًا وعطشًا وقلّة في جبال وأودية وصحاري الوطن العربي.

طَرَدَ -لا بل كَسَرَ- العربُ الأتراكَ في المشرق بمساندة شركائهم من الغرب على أمل إعلان "الدولة العربية الحرّة"، لكن هذا لم يحصل؛ وهذا يذكّر بالمثل العربي القائل: "صام صام وأفطر على بصلة"؛ فقد ذهب الشعار أعلاه أدراج الرياح، وكان حبرًا على ورق، فلم يجنِ العرب من قتلهم للأتراك المسلمين وممارساتهم الظالمة في حقهم واتهامهم بالمستعمرين للوطن العربي إلا ضياعًا لفلسطين وتقسيم الوطن المتاجر به إلى دويلات قطرية، وإمارات صغيرة مرتبطة بالغرب، لا بل الاستعمار الغربي، الذي كان ولا يزال رابضًا على صدورنا كجلمود صخرٍ يقوى عوده من يوم إلى آخر وبدعم ومساندة من العرب أنفسهم.

وأخيرًا...
إذا كان همّ العرب ومثقفيهم وقادتهم التخلّص من شيء سموه الاستعمار التركي وقتها، فما هو الأفضل لهم، الاستعمار التركي المزعوم أم الاستعمار الغربي الذي لا يزال يتحكم بالوطن العربي منذ أكثر من 100 عام؛ من أفضل دولة إسلامية تحكم بالشرع رغم ما قد يكون عليها من مآخذ ,أم أنظمة علمانية تناصب الإسلام العداء وتحارب أهله وتسرق مقدرات شعوبه وتمكّن الأعداء منها؟ فعن أي استعمار يتحدثون؟ ألم يحن الوقت للعرب لحذفه وشطبه من كتبهم وعقولهم ونفوسهم بلا رجعة!!


(2)

حاول اليهود والحركة الصهيونيّة العالمية اقتناص موافقة السلاطين الأتراك -وأهمهم عبد الحميد الثاني- على إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، لكن هذا لم يحصل، فقد أفشل العثمانيون كل محاولاتهم وإغراءاتهم الماديّة ورفضوا هداياهم الثمينة.

موقف الخلافة العثمانية هذا أثار حفيظة اليهود والصهاينة في العواصم الأوروبية تحديدًا، وجعلهم يفكّرون في حيلٍ ومؤامرات وخطط بديلة للتخلص منها وبأي ثمن كان.

ولم يتركوا وسيلة قذرة وغير قذرة إلا واستخدموها لتحقيق أهدافهم وطعن الخلافة العثمانية لإضعافها وتفكيكها، ليسهل تمرير مؤامراتهم وبرامجهم السوداء في المشرق الإسلامي، وللحصول على موضع قدم لهم في فلسطين، فانبروا منذ ذلك الحين يجندون وسائل إعلام غربية وغير غربية لصالح مطالبهم، ووُظّفت الحركة الماسونية العالمية لاحتواء أنظمة وحكومات وشخصيات اعتبارية غربية وشرقية وتجنيدها بأساليبها الخاصة خدمة للمشروع الصهيوني المرهون عدم إقامته ببقاء الخلافة العثمانية؛ فعلى مستوى العالم العربي التفت الحركة الصهيونية على الخلافة العثمانية وبدأت بالتفاوض مع العرب، "الشريف حسين"، وتعرض عليهم عروضًا مغرية، وبالأحرى شرعت في بيعهم سرابًا لا غير، وفعلا تمكنوا بمساعدة الإنجليز من إقناع زعامة العرب بالوقوف في وجه الأتراك وطردهم من الأقاليم العربية بحجة أنهم السبب الرئيس في حالة التخلّف والفقر والأميّة، وهذا ما حصل؛ فقد تأسس ما عُرف بـ"الثورة العربية الكبرى"، وتمكنّت من خلال اصطفاف الأقاليم العربية إلى جانبها من مقارعة الجيش التركي ودحره بعدما ارتكب العرب في حقه المجازر وأعمال السلب والنهب.

الاصطفاف العربي المذكور تم حقيقة بعدما رفضت القيادة العربية مشروعًا تركيًا اقترحه الخليفة عبد الحميد الثاني، دعا من خلاله إلى تشكيل جامعة إسلامية للوقوف في وجه الحملات الغربية الاستعمارية التي بدأت تهدد الدولة من أطرافها، زاحفة نحو المركز لتقويض أركان الخلافة.

لا شك أن الرفض العربي هذا غذّاه الغرب الاستعماري، لا بل والحركة الصهيونية وأذرعها الماسونية الفاعلة في بعض العواصم العربية، فقدمت الإغراءات والوعود العرقوبية للزعامة العربية حينها، وعلى رأسها مشروع "الدولة العربية الحرة" والهبات المالية، الأمر الذي تمثل صداه بما أطلقوا عليه جزافًا "الثورة العربية الكبرى"، أو حركة الاستقلال العربي، وصولا إلى موافقة "الشريف" على منح اليهود، "المساكين" على حد قوله، فلسطين لإقامة وطنهم القومي فيها.

أما على المستوى الأوروبي والغربي فتمكن اليهود والماسونيّة من اقتناص قرار تاريخي؛ هو "وعد بلفور" من بريطانيا، الذي يُعدّ في نظر اليهود "كسر عظم" ومرحلة متقدمة جدًا على طريق إقامة ما سموه بوطنهم القومي في أرض فلسطين، لا بل وتمكّن هؤلاء (اليهود والماسونيون) من كسب ود الدول العظمى، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا ولاحقًا الولايات المتحدة الأمريكية، وتأليب هذه الدول ضد الدولة العثمانية وضرورة التخلص منها.

هذه التغيّرات بالتأكيد وجدت صدى لدى الأنظمة المذكورة، فشجعت الأقليات القومية داخل الخلافة العثمانية، وبالتحديد شبه جزيرة البلقان، ثم بعد ذلك داخل آسيا الوسطى (الأتراك) نفسها؛ فشكّلت حركة تركيا الفتاة، ثم تمكن الماسونيون من صناعة شخصية قيادية مثل مصطفى كمال أتاتورك، الذي يعود نسبه إلى يهود الدونمة، للقضاء على الدولة العثمانية عام 1924م.

وأخيرا..
كان دور اليهود والحركة الصهيونية والماسونيّة العالمية حاضرًا وقويًا في زعزعة الاستقرار الداخلي في الدولة العثمانية، لا بل وانفصال العرب ودول البلقان عنها، والإطاحة بها أخيرًا، في حين لم يَجْنِ العرب من ذلك إلا استعمارًا غربيًا مقيتًا، وتقسيم الوطن العربي لدويلات وإمارات متناحرة وعميلة -إن صح القول- لأسيادهم من إنجليز وفرنسيين ومن ثم أمريكان؛ وها نحن حتى اليوم والغد نتخبط على غير هدى، دونما بوصلة نجاة تخرج العرب من مستنقع الذل والهوان والتبعيّة!!

(3)
أقلام مؤرخين غير أمينة


حمل المؤرخون الأوروبيون واليهود والنصارى والعلمانيون الحاقدون على تاريخ الدولة العثمانية، فاستخدموا أساليب الطعن والتشويه والتشكيك فيما قام به العثمانيون خدمة للإسلام والمسلمين، واتبع نهجهم الباطل كثيرون من المؤرخين العرب بشتى انتماءاتهم واتجاهاتهم القومية والعلمانية، وكذلك المؤرخون الأتراك الذين تأثروا بالطرح العلماني والتعصب القومي الذي تزعمه مصطفى كمال، فطبيعي جدا أن يقوموا بإدانة فترة الخلافة العثمانية، فوجدوا فيما كتبه النصارى واليهود ثروة ضخمة لدعم تحولهم القومي العلماني في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى.
موقف المؤرخين الأوروبيين السلبي من التاريخ العثماني نتاج تأثره بالفتوحات العظيمة التي حققها العثمانيون، وخصوصاً بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) وحولها العثمانيون دار إسلام وأطلقوا عليها إسلام بول (أي دار الإسلام) ، فتأثرت نفوس الأوروبيين بنزعة الحقد والمرارة الموروثة ضد الإسلام فانعكست تلك الأحقاد في كلامهم وأفعالهم وكتاباتهم ، بعدما عاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع مما سموه الخطر العثماني ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح وقتها.
زعماء الدين المسيحي من قساوسة ورهبان وملوك غذوا أيضا الشارع الأوروبي بالأحقاد والضغائن ضد الإسلام والمسلمين ، وعمل رجال الدين المسيحي على حشد الأموال والمتطوعين لمهاجمة الكفرة (يقصدون المسلمين) البرابرة، وكلما انتصر العثمانيون على هذه الحشود ازدادت موجة الكره والحقد على الإسلام وأهله، فاتّهمَ زعماء المسيحيين العثمانيين بالقرصنة، والوحشية والهمجية، وعلقت تلك التهم في ذاكرة الأوروبيين.
لقد كانت الهجمات الإعلامية المركزة من زعماء المسيحية بسبب الحفاظ على مكاسبهم السياسية والمادية، وكرههم للإسلام وأهله، وبالفعل استطاعت بعض الأسر الحاكمة في أوروبا أن تتربع على صدور المجتمعات الأوروبية في الحكم فترة زمنية طويلة، وحققت مكاسب ضخمة فجمعت ثروات كبيرة, وصنعت حول نفسها هالة كبيرة اعتمدت في مجملها على الضلال والتضليل .
ومع أن المجتمعات الأوروبية ثارت على هذه الفئات، بعد أن اكتشفت ضلالها وتضليلها، مع بداية عصر النهضة ، وبداية مرحلة جديدة في التاريخ الأوروبي، إلا أنه لم يستطع وجدان المجتمع الأوروبي أن يتخلص من تلك الرواسب الموروثة من هذه الفئات تجاه العالم الاسلامي بشكل عام وتجاه الدولة العثمانية بشكل خاص. ولذلك اندفعت قواتهم العسكرية المدعومة بحضارتهم المادية للانتقام من الإسلام والمسلمين، ونزع خيراتهم بدوافع دينية واقتصادية وسياسية وثقافية ، وساندهم كتابهم ومؤرخوهم، للطعن والتشويه والتشكيك في الإسلام وعقيدته وتاريخه، فكان نصيب الدولة العثمانية من هذه الهجمة الشرسة كبيرا.
أما المؤرخون العرب فقد سار جلهم في ركب القوى المتحاملة والمهاجمة للخلافة العثمانية بدوافع يأتي في مقدمتها إقدام الأتراك بزعامة «مصطفى آتاتورك» على إلغاء الخلافة الإسلامية في عام 1924م، وأعقب ذلك إقدام الحكومة العلمانية التركية على التحول الكامل إلى المنهج العلماني في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على حساب الشريعة الإسلامية التي ظلت سائدة في تركيا منذ قيام الدولة العثمانية .
ويأتي سبب التبعية البحثية لمدرسة التاريخ العربي لتاريخ المنهجية الغربية كعامل هام في الاتجاه نحو مهاجمة الخلافة العثمانية ، خصوصاً بعد التقاء وجهات النظر بين المؤرخين الأوروبيين والمؤرخين العرب حول تشويه الخلافة الإسلامية العثمانية.
ولقد تأثر كثيرون من المؤرخين العرب بالحضارة الأوروبية المادية، ولذلك عزوْا ما حصل من إصلاحات في الوطن العربي إلى بداية الاحتكاك بالحضارة الغربية، واعتبروا بداية تاريخهم الحديث منذ الحملة الفرنسية على مصر والشام وما أنجزته من تحطيم جدار العزلة بين الشرق والغرب، وما ترتب عليه بعد ذلك من قيام الدولة القومية في عهد محمد علي في مصر، وصحب ذلك اتجاههم لإدانة الدولة العثمانية التي قامت بالدفاع عن عقيدة الشعوب الإسلامية ودينها وإسلامها من الهجمات الوحشية التي قام بها الأوروبيون.
احتضنت القوى الأوروبية أيضا الاتجاه المناهض للخلافة الإسلامية وقامت بدعم المؤرخين والمفكرين في مصر والشام على تأصيل الإطار القومي وتعميقه من أمثال البستاني واليازجي وجورجي زيدان وأديب إسحاق وسليم نقاش وفرح أنطون وشبلي شميل وسلامة موسى وهنري كورييل وهليل شفارتز وغيرهم، ويلاحظ أن معظمهم من النصارى واليهود، كما أنهم في أغلبهم إن لم يكونوا جميعاً من المنتمين الى الحركة الماسونية التي تغلغلت في الشرق الاسلامي منذ عصر محمد علي ,والتي كانت بذورها الأولى مع قدوم نابليون في حملته المشؤومة على المشرق.
وأما المؤرخون الأتراك الذين برزوا في فترة الدعوة القومية التركية فقد تحاملوا كثيراً على فترة الخلافة العثمانية سواء لمجاراة الاتجاه السياسي والفكري الذي ساد بلادهم والذي حمّل الفترة السابقة كافة جوانب الضعف والانهيار أو لتأثر الأتراك بالموقف المشين الذي بدت عليه سلطة الخلافة والتي أصبحت شكلية بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني سنة 1909م ، إلى جانب تأثر المفكرين الأتراك بموقف بعض العرب الذين ساندوا الحلفاء الغربيين إبان الحرب الأولى ضد دولة الخلافة وإعلان الثورة عليها سنة 1916م؛ وبرغم تفاوت الأسباب وتباينها إلا أن كثيرا من المؤرخين التقوا على تشويه وتزوير تاريخ الخلافة الإسلامية العثمانية.
اعتمد المؤرخون الذين عملوا على تشويه الدولة العثمانية على تزوير الحقائق، والكذب والبهتان والتشكيك والدس. ولقد غلبت على تلك الكتب والدراسات طابع الحقد الأعمى، والدوافع المنحرفة، بعيدة كل البعد عن الأمانة والموضوعية.

* الخلافة العثمانية المفترى عليها (4)- سلاطين آل عثمان.. ينابيع الحب الرباني

حملت الدولة العثمانية منذ أن بزغ فجرها في القرن الثالث عشر للميلاد (1299)، هموم الأمة الإسلامية كاملة وبأمانة، وسَعَت -مُسخـّرة كافة إمكاناتها- لرعاية مصالح هذه الأمة وتأمين أمنها وراحتها وسلامتها في كل نواحي الحياة وبقوة.
الدولة العثمانية من جانبها حرصت أيضا على نصرة الإسلام ونشر مبادئه وقيمه في كل بقعة وصل إليها جيشها، وفي جميع أقاليم وبلدان الدولة...
كان سلاطين آل عثمان دائما في طليعة الجيش عند الحرب والنزال، يقاتلون ببسالة منقطعة النظير، وحين كان يتأخر بعضهم لمشاغل الدولة عن المشاركة في حرب ما؛ عدّوا أنفسهم عديمي الحظ، حيث كانت تفيض عيونهم بالدمع وتعتصر قلوبهم بالحزن والأسى..
نذر سلاطين آل عثمان أنفسهم للإسلام، واعتبروا الدفاع عنه وعن قيمه مسؤولية عظمى لابد أن تؤدى، فساروا قدمًا أمام الأمة بصدق وإخلاص مقتدين بنهج الرسول صلى الله عليه وسلم متفانين في حبه.
وإنه لحري أن يسوق المرء بعضا من مواقف مشهودة لهؤلاء الخلفاء والسلاطين وثّقها المؤرخون بأمانة وصدق، تدل بلا لبس ولا غموض على قوة عقيدتهم وحبهم لله والرسول، منها:
* السلطان مراد الثاني.. وهو يرقد على فراش الموت يقول لوزيره بصوت خافت: اقرأ يا إسحاق، اقرأ وصيّتنا! فبدأ إسحاق باشا يقرأ الوصيّة بصوت عال: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، توكلت على الله رب العرش العظيم، كل نفس ذائقة الموت، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغَرور.. أما بعد؛ أوصيكم بأن توزّعوا ثلث أملاكي في ولاية "صاروهان"؛ على أن يكون 3500 قطعة ذهبية منها إلى فقراء مكة المكرمة، و3500 قطعة ذهبية إلى فقراء المدينة المنورة؛ ووزّعوا 500 قطعة أخرى على الذين يكثرون من تلاوة القرآن الكريم من أهالي مكة المكرمة في حرم بيت الله، ثم يرددون كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" 70 ألف مرة ويهدون ثوابها للموصي، وأوصيكم أن توزّعوا 2500 قطعة ذهبية من أملاكي هذه على الذين يكثرون من تلاوة القرآن الكريم ثم يرددون كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" 70 ألف مرة في قبة الصخرة في ساحة المسجد الأقصى".
وإذا ما أمعنا النظر في هذه الوصية نرى بوضوح حب السلطان مراد الثاني لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أراضي الحجاز (مكة المكرمة -المدينة المنورة) والقدس (المسجد الأقصى) في تلك الآونة لم تكن في حوزة الدولة العثمانية بعدُ.
* السلطان محمد الفاتح.. يخرج في إحدى الليالي قبل فتح القسطنطينية (1453م) إلى شيخه "أقْ شمس الدين" ويبدي رغبته في العثور على قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. فيخرج "أقْ شمس الدين" برفقة السلطان من الخيمة، ويصلان إلى ساحل القرن الذهبـي، وهناك يشير الشيخ إلى مكان قريب من الأسوار ويقول: "ها هنا القبر يا جلالة السلطان". فيأمر السلطان محمد الفاتح بإنشاء جامع وضريح في هذا المكان على الفور، وبعد الفتح يبنى الجامع والضريح القائم حتى يومنا هذا في حي الفاتح في المدينة..
*السلطان بايزيد خان؛ ابن السلطان محمد الفاتح... يزور صديقه الذي يحبه في الله "بابا يوسف" لتوديعه قبل ذهابه إلى الحج، ويسلّمه صرّة من الذهب ويقول: "هذا ما رزقني الله به من عرق جبيني، ولقد ادّخرته من أجل صيانة قناديل الروضة المطهرة؛ عندما تقف في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم أريد منك أن تقول: يا رسول الله، خادمك الفقير "بايزيد" يقرئك السلام ويقول لك: إنه قد أرسل هذه القطع من الذهب لشراء زيت قناديل الروضة، فاقبلها منه..".
* السلطان سليم الأول.. ضُمّت أراضي الحجاز في عهده إلى الدولة العثمانية وتوحّد العالم الإسلامي تحت راية الإسلام في عهده، وقد شرع خطباء المساجد على أثرها في نعته بلقب "حاكم الحرمين"، إلا أن السلطان سليم لم يكن راضيًا عن هذا اللقب أبدًا.
وفي يوم من الأيام وهو يصلي صلاة الجمعة في الجامع الكبير في حلب، سمع هذه اللفظة من خطيب الجامع، فهب مسرعا وهو يقول: "لا، لا، لستُ حاكمًا للحرمين، بل خادمًا لهما"، فيعدّل الخطيب كلامه كما أشار السلطان، وبعد الصلاة يقوم السلطان بتقديم قفطانه هدية إلى الخطيب وشكرًا له.
*السلطان أحمد الأول.. يصعد العرش في وقت حرج، حيث تسود الاضطرابات وتنتشر الفوضى في معظم الأراضي العثمانية... فيخرج في إحدى الليالي خفية إلى جناح الأمانات المقدسة في قصر طوب قابي... يمسك نعل الرسول صلى الله عليه وسلم ويضمه إلى صدره، ثم يقول بحرقة قلب:
ليتني أحمل نعلك الشريف دائمًا على رأسي كالتاج
يا صاحب النعل الكريم، يا وردة حديقة الأنبياء
ليتني أمسح وجهي دائمًا على أثر قدمك يا وردة الورود..
ومنذ ذلك الوقت أخذ السلطان أحمد الأول يحمل صورة لأثر القدم النبوي الشريف داخل قفطانه.
* السلطان عبد العزيز.. وصلت قصره في أحد الأيام رسالة من المدينة المنورة، وكان السلطان في تلك اللحظة مصابًا بمرض شديد ألزمه الفراش؛ فتردد رجال الدولة بادئ الأمر في تقديم الرسالة إليه بسبب مرضه هذا، ولكنهم كانوا يعرفون في الوقت نفسه مدى حساسيته تجاه المدينة المنورة وحبه لها، فاضطروا إلى تقديمها إليه في نهاية الأمر. وعندما اقترب الوزير منه وأخبره أن رسالة وصلت من المدينة المنورة، لمعت عينا السلطان وطلب من الوزير ألا يبدأ بالقراءة حتى يأمره بذلك، ثم قال لمن حوله: "ارفعوني.. فلا يمكن أن أسمع رسالة وصلت من الأراضي المقدسة وأنا نائم".
واستمع السلطان إلى ما في الرسالة واقفا على رجليه رغم وطأة المرض.. ومما يجدر ذكره هنا، أن السلطان عبد العزيز كان لا يتناول أي ملف أو أوراق قادمة من المدينة المنورة دون أن يجدد وضوءه. لأن هذه الأوراق بالنسبة له تحمل غبار بلدة الرسول صلى الله عليه وسلم ورائحته العطرة. لذا كان يقبّلها أولًا ثم يضعها على جبينه ثم يشمها بحرارة ثم يفتحها ليقرأها.
* السلطان عبد الحميد الثاني.. تولى الخلافة في وقت كانت فيه الدولة العثمانية في منتهى السوء والاضطراب، سواء على مستوى الأوضاع الداخلية أو الخارجية.. وفي خضم هذه الأوضاع بدأ العمل بكل ما أوتي من قوة ليوحد المسلمين من جديد تحت راية الإسلام. فقام في عهده بتنفيذ مشاريع في غاية الأهمية، منها إنشاء خط حديد الحجاز، الذي امتد من إسطنبول إلى المدينة المنورة. وكانت الغاية العظيمة من ذلك الدفاع عن الأراضي المقدسة من هجمات العدو، ثم تأمين راحة الحجاج خلال رحلتهم إلى الحرمين الشريفين.
ومما تجدر الإشارة إليه أنه قد جرى إنشاء الخط الواقع بين مدائن صالح والمدينة المنورة كله بأيدي المهندسين والعمال المسلمين فقط، لأن هذا الجزء كان داخل حدود منطقة الحرم. وعندما وصل الخط إلى المدينة المنورة في 31 آب من عام 1908، أمر السلطان عبد الحميد الثاني بأن يُمَدّ اللباد (الفرش) على الخط في آخر ثلاثين كيلومترًا منه؛ كما أن مقطورة القطار كانت عند وصولها إلى المدينة المنورة تخفض من سرعتها وتقترب من رصيف المحطة ببطء حتى لا تزعج الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ينـزل الركاب من القطار ماشين على أطراف أقدامهم بأدب واحترام... أما اللباد الممدود على سكة الحديد فكان يتم غسله بماء الورد يوميا في ساعات معينة، وذلك احترامًا لتلك الأراضي المباركة وتقديسًا لها.
وأخيرا...
هذا غيض من فيض من مواقف مشرّفة للسلاطين العثمانيين تصف مدى حبهم لله وللإسلام وللرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ وإن أخطاء بعضهم وزلاته ما كانت لتحصل لولا أنهم بشر يصيبون ويخطئون، فما من معصوم بعد النبي الكريم، فلتكسر كل أقلام المغرضين من عرب وعجم ممن يتطاولون على دولة الخلافة الإسلامية العثمانية، أو يهمّشون دورها في الدفاع عن بيضة الإسلام وقضايا الأمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق