السبت، 1 يناير 2011

خلافة أبو بكر الصديق جهاده انجازاته وفتوحاته


كاتب الموضوع : nur-eldin 

خلافة أبى بكر الصديق
(11 - 13 هـ / 632- 634م )


تمت البيعة لأبى بكر، ونجح المسلمون: الأنصار والمهاجرون فى أول امتحان لهم بعد وفاة الرسول ، لقد احترموا مبدأ الشورى، وتمسكوا بالمبادئ الإسلامية، فقادوا سفينتهم إلى شاطئ الأمان.
وها هو ذا خليفتهم يقف بينهم ليعلن عن منهجه، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه، قال: "أيها الناس، إنى قد وليت عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى (ردونى عن الإساءة)، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ له حقه، والقوى ضعيف عندى حتى آخذ منه الحق إن شاء الله تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة فى قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله" [ابن هشام].
كان الإسلام فى عهد النبى قد بدأ ينتشر بعد السنة السادسة للهجرة، وبعد هزيمة هوازن وثقيف بدأت الوفود تَرِد إلى الرسول معلنة إسلامها، وكان ذلك فى العام التاسع!

جهاد أبى بكر:

لقد دخل الناس فى دين الله أفواجًا، وقلَّ عدد المشركين الذين يعبدون الأصنام، وطهرت الجزيرة العربية من الشر، لكن بعض الذين دخلوا فى الإسلام كان منهم ضعاف الإيمان، ولم يكن الإيمان قد استقر فى قلوبهم، وقد دخله بعضهم طمعًا فى الأراضى والأموال.
وكانت وفاة الرسول فرصة لهؤلاء وأولئك لكى يظهروا ما أخفوه خلال الفترة الماضية، ولكى يعلنوا ردتهم عن الدين الحنيف، فماذا يفعل الصديق، والخلافة فى أول عهدها ؟!
إن هناك جماعة منعت الزكاة، وأخرى ارتدت، بل ادعى بعض الناس منهم النبوة !

جيش أسامة:

لقد كان على أبى بكر -رضى الله عنه- أن يواجه هؤلاء جميعًا. وليس هذا فقط بل كان عليه أن يؤمِّن حدود الدولة الإسلامية ضد الأعداء الخارجيين، وكان الرسول ( قد أعدَّ لذلك جيشًا بقيادة أسامة بن زيد، ولكنه ( مات قبل أن يبرح الجيش المدينة، وظل أسامة بجيشه على حدود المدينة ينتظر الأوامر!
وراح الجميع يفكرون فى مواجهة أعداء الأمة الإسلامية الوليدة!
وكان رأى بعض المسلمين أن توجه كل الجهود إلى محاربة المرتدين، وأن يؤجل إنفاذ جيش أسامة لمحاربة الروم إلى ما بعد القضاء على المرتدين، وأن يتفرغ أبو بكر لذلك، ولكن أبا بكر وقف شامخًا راسخًا، يؤكد العزم على قتالهم جميعًا فى كل الجبهات، قائلا عن مانعى الزكاة: "والله لو منعونى عِقَال بعير (ما يربط به البعير) كانوا يؤدونه إلى رسول الله ( لقاتلتهم عليه" [متفق عليه] ولقد أصر أن يتم بعث أسامة قائلا: "والله لو ظننت أن السباع تخطفنى لأنفذت بعث أسامة كما أمر الرسول (" [ابن كثير].


حملات عسكرية:

وأعد أبو بكر -رضى الله عنه- إحدى عشرة حملة عسكرية، كان من أشهرها: حملة خالد بن الوليد، وحملة العلاء بن الحضرمى.

جيش العلاء بن الحضرمى:

كان ملك البحرين، قد أسلم فى عهد الرسول ، وأقام فى رعيته الإسلام والعدل، وعندما مات رسول الله ومات ملك البحرين، ارتد أهل البحرين، وقال قائلهم: لو كان محمد نبيّا ما مات.
وبقيت بالبحرين قرية يقال لها جُوَاثا ثابتة على دينها، فقد قام فيها رجل من أشرافهم وهو الجارود بن المعلى، وكان ممن هاجروا إلى رسول الله ، فقال: يا معشر عبد القيس إنى سائلكم عن أمر فأخبرونى إن علمتموه. قالوا: سَلْ. قال: أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد؟ قالوا: نعم. قال: تعلمونه أم ترونه؟ قالوا: نعلمه. قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا. قال: فإن محمدًا مات كما ماتوا، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقالوا: ونحن أيضًا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وثبتوا على إسلامهم [ابن كثير].
وأرسل أبو بكر العلاء بن الحضرمى أحد كبار الصحابة إلى حرب المرتدين من أهل البحرين، وكان العلاء على معرفة بأحوال هذه البلاد لأن الرسول كان قد أرسله ليجمع الزكاة من أهلها.
وحدث فى هذه الغزوة أن نزل العلاء منزلا فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الإبل بما عليها من زاد الجيش وخيامهم وشرابهم،
وبقوا على الأرض ليس معهم شىء سوى ثيابهم، وذلك ليلا، ولم يقدروا منها على بعير واحد، فأصاب الناس همٌّ عظيم وجعل يوصى بعضهم إلى بعض، فنادى منادى العلاء، فاجتمع الناس إليه، فقال: أيها الناس، ألستم المسلمين؟ ألستم فى سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى. قال: فأبشروا والله لا يخذل الله مَنْ كان فى مثل حالكم. ونودى لصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلى بالناس، ثم جثا على ركبتيه، وجثا الناس، واستمر فى الدعاء حتى طلعت الشمس، وجعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد مرة وهو يجتهد فى الدعاء، فوجدوا إلى جانبهم غديرا عظيمًا من الماء.
فمشى ومشى الناس إليه فشربوا واغتسلوا، فما انتهى النهار حتى أقبلت الإبل من كل مكان بما عليها لم يفقدوا شيئًا من أمتعتهم.
والتقى جيش العلاء بالمرتدين فهزموهم، وفروا منهم فى البحر إلى "دارين"، فتبعهم المسلمون، لكنهم عندما وصلوا إلى ساحل البحر ليركبوا، وجدوا أن المسافة بعيدة،ولو انتظروا حتى يجهزوا المراكب التى سوف يعبرون عليها، لتمكن الأعداء من الهروب، فاقتحم العلاء البحر بفرسه وهو يقول: يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، ويا أحد يا صمد، يا حى يا محيى، يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت يا ربنا. وأمر الجيش أن يقولوا ذلك، ففعلوا وعبر بهم الخليج بإذن الله، فقطعه إلى الساحل الآخر، فقاتل عدوه وهزمهم، وأخذوا غنائمهم وأموالهم. ولم يفقد المسلمون فى البحر شيئًا سوى عليقة فرس.
وكان مع الجيش راهب من أهل هجر، فأسلم وقال: خشيت إن لم أفعل أن يمحقنى الله لما شاهدت من الآيات، ولقد علمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله، فحسن إسلامه [ابن كثير: البداية والنهاية].
لقد خرج المؤمنون خالصة نواياهم، غايتهم العزة لدين الله العظيم، من أجل ذلك أمدهم الله بكراماته، وأيدهم بنصره.
لقد هزت هذه الجيوش الجزيرة العربية هزّا عنيفًا، وأعادت المارقين والخارجين إلى حظيرة الإيمان من جديد؛ ليعرفوا أن الله هو الحق المبين، وأن رسوله ( هو خاتم النبيين، وإذا كان محمد قد مات، فإن دين الإسلام الذى جاء به باق إلى يوم القيامة بإذن الله.

وكان جيش أسامة الذى أرسله أبو بكر لمحاربة الروم قد حقق الهدف الذى بعث من أجله، فَأَمَّنَ الحدود، وأعاد الثقة إلى النفوس!
وعرف الروم أن الدولة الإسلامية مازالت قوية، لم تضعف، وفى استطاعتها أن تصد كيد الأعداء.
وفى وقت بعث أسامة، كان بعض مانعى الزكاة قد جاءوا إلى أبى بكر، فلما رأوا تصميمه على أخذ الزكاة، رجعوا إلى قبائلهم وأغروهم بالقضاء على الإسلام، والاستيلاء على المدينة، وكان أبوبكر قد وضع بعض الصحابة على أنقاب المدينة؛ لأنه توقَّع إغارتهم، وعندما اتجهوا بالفعل إلى المدينة، وعرف أبو بكر أوصى الواقفين على الأنقاب بالصبر، ثم اتجه هو وبعض الصحابة، إليهم ولقنوا هؤلاء المرتدين درسًا لا يُنسى، حتى يعلموهم وغيرهم أن الدولة الإسلامية لم تضعف بعد وفاة النبى(.

كما عمل أبو بكر -رضى الله عنه- على القضاء على كل من تسول له نفسه أن يطعن فى دين الله، كأولئك الذين ادعوا النبوة أمثال الأسود العنسى وسجاح التى أسلمت فيما بعد، ومسيلمة الكذاب الذى أرسل إليه أبو بكر جيشًا هزمه شر هزيمة فى وقعة اليمامة، حيث قتل الله الكذاب بعد ما استشهد كثير من الصحابة وخاصة بعض حملة القرآن منهم.

فتوحات أبى بكر:

انتهت حروب الردة، وتم القضاء على كل من ادعى النبوة كالأسود العنسى، ومسيلمة الكذاب، وسجاح. ورجع الهدوء والاستقرار إلى الجزيرة العربية.
وبدأت أنظار المسلمين تتجه ناحية حدود دولتهم، فالفرس يقفون فى وجه الدعوة الإسلامية، ويساندون أعداءها. والروم يحاربون الدعوة وينصرون خصومها.

أبو بكر والفرس:

بدأت عداوة الفرس للمسلمين فى عهد الرسول (، عندما أمر ملك الفرس عامله على اليمن أن يرسل من عنده رجلا ليقتل رسول الله أو يأسره بعدما أرسل له النبى من يدعوه إلى الإسلام ولكن الله أهلك ملك الفرس عندما ثار عليه قومه وحفظ رسوله ( حتى مات.
وعندما ارتدت العرب ظن الفرس أن العرب المرتدين سيقضون على الإسلام فى مهده، ولكن الله خَيَّبَ ظنهم، فعادوا يكيدون للإسلام، فما كان من أبى بكر الصديق -رضى الله عنه- إلا أن بعث إليهم خالد بن الوليد، وتحرك الجيش بقيادته نحو العراق، ونزل الحيرة فدعا أهلها إلى الإسلام، أو الجزية، أو الحرب. ولهم أن يختاروا الموقف الذى يناسبهم، فلا إكراه فى الدين، ولا عدوان إلا على الظالمين! والإسلام أحب إلى كل مسلم من الجزية أو الحرب.
وقبل أهل الحيرة أن يدفعوا للمسلمين الجزية ويعيشوا فى أمان وسلام، وكانت هذه أول جزية تؤخذ من الفرس فى الإسلام.
وسار خالد بجيشه إلى الأنبار، فهزم أهلها حتى نزلوا على شروطه، وقبلوا دفع الجزية أيضًا. ثم اتجه إلى "عين التمر"، ومنها إلى "دومة الجندل"، وفتحهما عنوة وقهرًا بعد أن رفض أهلها الإسلام والجزية وأعلنوا الحرب! فعاد البطل الفاتح منتصرًا بعد أن أَمَّنَ حدود الدولة الإسلامية الناشئة من ناحية الفرس.

مواجهة الروم:

لكن خطر الروم ما زال يهدد الدولة الإسلامية !! فهذا هرقل إمبراطور الروم قد جمع قواته على حدود فلسطين؛ وحرض العرب المجاورين له على معاداة المسلمين ليوقف المد الإسلامى والزحف المبارك، ولكن كلمة الله لابد أن تكون هى العليا، وكلمة الذين كفروا هى السفلى! لابد أن يزيل أبو بكر -رضى الله عنه- كل العوائق التى تقف فى طريق الدعوة الإسلامية، وتتربص بها، تريد القضاء عليها!
ودعا أبو بكر المجاهدين لحرب الروم فى الشام، وأعلن التعبئة العامة ليلقن كل الذين يفكرون فى العدوان على الإسلام والمسلمين درسًا لا ينسى، وتحركت الجيوش من "المدينة المنورة" وبتشكيل أربع فرق يقودها قواد عباقرة عظام.

كان على رأس الأولى: "عمرو بن العاص" ووِجْهَتُه "فلسطين".
وكان على رأس الثانية "يزيد بن أبى سفيان" ووجهته دمشق.
وكان على رأس الثالثة "الوليد بن عقبة" ووجهته "وادى الأردن".
أما الرابعة فكان على رأسها "أبو عبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح" ووجهته "حمص".


اليرموك:

لما انتهى أبو بكر الصديق من القضاء على فتنة المرتدين، قرر مواجهة القوتين العظميين آنذاك، وفكر فى مواجهة إحداهما، وبعث عددًا من الجند لمناورة القوى الأخرى، حتى لا تكون هناك فرصة لهما أن يجتمعا ضد المسلمين.
وكان الفرس قد عرفوا بعدائهم الشديد للإسلام، وقد ظهر هذا من خلال بعض الأعمال، كمساندتهم للمرتدين، وإمداد كل من ادعى النبوة فى الجزيرة العربية، بل حاولوا القضاء على الإسلام، ولذا، فقد استجاب أبو بكر لطلب المثنى بن حارثة للتحرش بالفرس، بل أمر أبو بكر خالد بن الوليد أن يساعد المثنى، وذلك بالإرسال إليه بعد انتهاء خالد من حرب أهل العراق، وشعر الفرس بقوة المسلمين بعد الذى صنعه خالد ببعض الأراضى التى كانوا يحتلونها.
أما القوى الرومية، فقد بعث أبو بكر خالد بن سعيد بن العاص يرابط بقواته قرب مناطق يسيطر عليها الروم والقبائل العربية التى تعتنق النصرانية وتحالف الروم، ثم أرسل أبو بكر الجيوش بقوادها الأربعة إلى بلاد الشام، وقد أدرك الروم ما يرمى إليه خليفة المسلمين، فاستعدوا لحرب آتية لابد منها مع المسلمين، بل نقل هرقل مقر القيادة إلى حمص ليكون أقرب من ميدان القتال، ولما رأى المسلمون ذلك، طلبوا من أبى بكر أن يرسل إليهم بالمدد، فأرسل أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يتحرك بمن معه فى نجد إلى الشام، ولاسيما أن الفرس فى حالة من الضعف، ورحل خالد بمن معه إلى الشام، حيث جرت معركة اليرموك بين المسلمين والروم، واحتشدت القوات للمواجهة، وقبل البدء فى القتال كان أبو بكر قد توفى ورحل إلى الرفيق الأعلى وتولى مكانه عمر، ولكن الجيش الإسلامى لم يكن يعلم بذلك، وتجهز جيش المسلمين للقاء الروم.

هيكلة الجيش:

استعد جيش المسلمين للقاء، فكان على ميمنة الجيش إلى الشمال عمرو بن العاص، وعلى الميسرة من الجنوب قرب نهر اليرموك يزيد بن أبى سفيان بن حرب، وكان أبو عبيدة بن الجراح بينهما.
وخرج المسلمون على راياتهم، فكان على راية الميمنة معاذ بن جبل -رضى الله عنه-، وعلى راية الميسرة نفاثة بن أسامة الكنانى، وعلى الرجّالة هاشم بن عتبة بن أبى العاص، وعلى الخيّالة خالد بن الوليد، وهو المشير فى الحرب الذى يصدر الناس كلهم عن رأيه، ولما أقبلت الروم بأعدادها وعتادها وقد سدت الأفق، ورهبانهم يتلون الأناجيل يباركون صفهم. وأثناء ذلك، تحرك خالد بن الوليد إلى أبى عبيدة، وقال له: إنى مشير بأمر. فقال أبو عبيدة: قل ما أمرك الله أسمع لك وأطيع. فقال خالد: إن هؤلاء القوم لابد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإنى أخشى على الميمنة والميسرة، وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين، وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدوهم كانوا لهم ردءًا، فنأتيهم من ورائهم، وجعل قيس بن هبيرة فى الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله، حتى إذا فر أحد رآه، فيستحى منه، ورجع يقاتل مرة ثانية، فجعل أبو عبيدة مكانه فى القلب سعيد ابن زيد بن عمرو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم عمر، وزوج أخته، وساق خالد النساء وراء الجيش، ومعهن عدد من السيوف، وقال لهن: من رأيتنه هاربًا، فاقتلنه. ثم رجع إلى موقفه من الجيش.

قبل اللقاء:

ولما برز الفريقان، قام عدد من أعلام المسلمين يعظون الجيش ويذكرون الناس بفضل الجهاد، والثواب عند الله يوم القيامة، فقام أبو عبيدة ووعظ الناس، كما قام معاذ بن جبل وعمرو بن العاص، وأبو سفيان بن حرب وأبو هريرة -رضى الله عنهم-.

السياسة الحربـية:

ولما تقارب الفريقان، تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان ومعهما ضرار بن الأزور والحارث بن هشام وأبو جندل بن سهيل ابن عمرو، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع له. فلما ذهبوا إلى (تذارق) أراد أن يجلسهم على فرش من حرير فرفضوا، وجلس هو معهم حيث شاءوا، فعرضوا عليه إما الإسلام وإما الجزية وإما الحرب، ولكن الروم آثروا الحرب على الإسلام والجزية.

عز الإسلام:

ثم طلب ماهان خالد بن الوليد ليبرز له فيما بين الصفين، فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطى كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعامًا وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها. فرد عليه خالد قائلا: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنَّا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب.

بداية ونهاية:

وتقدم خالد إلى عكرمة بن أبى جهل والقعقاع بن عمرو، وهما على جانبى القلب، وأمرهما ببدء القتال، وهكذا بدأت المعركة، وكان ذلك فى أوائل رجب عام (13 هـ)، وحملت ميسرة الروم على ميمنة المسلمين، فمالوا إلى جهة القلب، ثم تنادى المسلمون فتراجعوا، وحملوا على الروم وردت النساء من فر، ثم نادى عكرمة بن أبى جهل قائلا: قاتلت رسول الله ( فى مواطن، وأفر منكم اليوم! وبايعه جماعة من الصحابة على الموت، وصل عددهم إلى 400 رجل، وقاتلوا أمام فسطاط خالد، فجرحوا جميعًا، ومات بعضهم، ثم حمل خالد بن الوليد بالخيل على ميسرة الروم التى حملت على ميمنة المسلمين، فأزالوهم إلى القلب، وقتل المسلمون فى حملتهم هذه 6000 من الروم،
ثم حمل خالد بمائة فارس على ما يقرب من 100000 من الروم، فانهزم الروم أمامهم بإذن الله تعالى، ولما عاد المسلمون من حملتهم جاء صاحب البريد إلى خالد بوفاة أبى بكر وتولية عمر، وكتب إليه بعزله عن قيادة الجيش وتولية أبى عبيدة، وكان يكلمه سرّا، فقال له خالد: أحسنت. وأخفى الخبر حتى لا تحدث زعزعة فى صفوف المسلمين.
وبينما كان القتال على أشده بين جيش الإسلام وجيش الروم، خرج "جرجة" -أحد أمراء الروم الكبار- من الصف، واستدعى خالد بن الوليد، فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: يا خالد، أخبرنى فاصدقنى ولا تكذبنى، فإن الحُرّ لا يكذب، ولا تخادعنى، فإن الكريم لا يخادع، هل أنزل الله على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاه لك، فلا تسلَّه على أحد إلا هزمته؟
قال: لا! قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيّا، فدعانا، فنفرنا منه، ونأينا عنه جميعًا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لى: "أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين"، ودعا لى بالنصر، فسميت سيف الله بذلك؛ فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
فقال جرجة: يا خالد إلى ما تدعون؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله -عز وجل-.
قال: فمن لم يجبكم؟
قال: فالجزية ونمنعهم (نحميهم).
قال: فإن لم يعطها؟
قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله.
قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل فى هذا الأمر اليوم؟
قال: منزلته واحدة، فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا.
قال جرجة: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم؟
قال: نعم وأفضل.
قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟


فقال خالد: لقد قبلنا هذا الأمر، وبايعنا نبينا وهو حى بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل فى هذا الأمر بحقيقة دينه كان أفضل منا.
فقال جرجة: بالله لقد صدقتنى ولم تخادعنى؟
قال: تالله لقد صدقتك، وإنَّ الله ولىّ ما سألت عنه من الإسلام.
ودخل جرجة الإسلام فأخذه خالد إلى خيمته، وصب عليه قربة من ماء، ثم صلى به ركعتين ورجعا إلى المعركة يضربان بسيفيهما من بدء ارتفاع النهار حتى غروب الشمس، وأصيب جرجة رحمه الله، فمات شهيدًا، ولم يكن صلى لله -عز وجل- غير هاتين الركعتين مع خالد. بعد أن فر الروم ليلا إلى الواقوصة.
وتم الفتح المبارك، وانهزمت الروم هزيمة بالغة، علم بها هرقل، وارتحل من حمص.
لقد كان المسلمون رجالا لا يثبت لهم العدو رغم قلتهم، ولقد انهار هرقل وهو يرى هزيمة الروم رغم كثرتهم، فقال لقواده: ويلكم أخبرونى عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونك أليسوا بشرًا مثلكم؟
قالوا: بلى.
قال: فأنتم أكثر أم هم؟
قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن.
قال: فما بالكم تنهزمون؟
فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم.
ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزنى، ونركب الحرام وننقض العهد، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط، وننهى عما يرضى الله، ونفسد فى الأرض.
فقال هرقل: أنت صدقتنى.
وكان تعداد الجيوش التى سيرت إلى الشام سبعة وعشرين ألفًا، ولكنها زيدت بوصول جيش خالد إلى ستة وثلاثين.
وكان جيش الروم يقارب المائتين وأربعين ألفًا، ولكن الله نصر عباده رغم قلة عددهم، بسبب إيمانهم وقوة عقيدتهم.

منجزات أبى بكر:


كان عهد أبى بكر امتدادًا لعصر النبى (، لم يكن إلا متبعًا ومنفذًا لكل ما أشار به الرسول ( أو أمر به، لم يبتدع أبو بكر -رضى الله عنه- شيئًا يخالف ما كان عليه رسول الله (، بل كان كل شىء يسير وفقًا لشريعة الإسلام، وانشغل الناس فى فترة خلافته بقتال المرتدين والفتوحات الإسلامية.
ولم يبق فى المدينة إلا من استبقاهم أبو بكر لحمايتها، ولاستشارتهم ولتبادل الرأى معهم، وعلى رأس هؤلاء: عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص.
وكانت المدينة المنورة فى عهده عاصمة الدولة الإسلامية ومركز الحكم ومقر الخلافة.
قسم أبو بكر الجزيرة العربية إلى ولايات جعل على كل منها أميرًا، يؤم الناس فى الصلاة، ويفصل بينهم فى القضايا، ويقيم الحدود؛ فكان على "مكة" عتاب بن أسيد، وعلى صنعاء المهاجر بن أمية، وعلى عمان والبحرين العلاء بن الحضرمى.
وقد اتخذ الصديق عمر قاضيًا على المدينة، وجعل أبا عبيدة أمينًا على بيت مال المسلمين.

ولقد كانت فترة حكمه قصيرة، لكنها كانت حاسمة فى تاريخ الإسلام، فقد واجه أحرج المواقف، وربما وقف وحده عند إصراره على محاربة المرتدين فى وقت اتجه فيه باقى المسلمين إلى المسالمة، قائلين: كيف نحارب الجزيرة العربية كلها؟! لكنه بإيمانه ويقينه وصدقه سرعان ما ضم المسلمين إلى رأيه، ثم سار بهم جميعًا يدكّ صروح الشرك، ويقضى على الشكوك والأوهام!
ولم يتوقف عند هذا، بل راح يحطم قصور كسرى وقيصر.
رحم الله أبا بكر لقد تمثلت فيه كل المعانى الإسلامية الرائعة.

جمع المصحف:

استشهد كثير من حفظة القرآن وقرائه فى حروب الردة، وهنا أشار عمر -رضى الله عنه- على أبى بكر بضرورة جمع القرآن الكريم ؛ حيث كان مكتوبًا على سعف النخيل، وقطع الجلد، وألواح عظام الإبل، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت ومعه بعض أصحابه بتولى هذه المهمة العظيمة.
وقاموا بتدوين القرآن كله فى دقة متناهية بالترتيب الذى أمر به رسول الله (، ودون أى تغيير، وسموه مصحفًا.
إن القرآن هو دستور المسلمين، وقد تعهد الله بحفظه، وكان أبو بكر أول من أسهم فى هذا الحفظ رحمه الله.

موت الخليفة:

وفى هذا العام (13هـ/635م)، مرض أبو بكر، وظل المرض ملازمًا إياه طيلة شهر، ثم عهد بالخلافة لعمر بن الخطاب بعد أن استشار كبار الصحابة.
وبعد ذلك، لقى ربه راضيًا مرضيًّا، وكانت ولايته -رضى الله عنه- سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وصعدت روحه إلى الرفيق الأعلى وله من العمر ثلاثة وستون عامًا.
وكان آخر ما تكلم به تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين [يوسف: 101]. ولم يترك ثروة طائلة، وإنما ترك ذكرى طيبة. وحسبه أنه جمع المسلمين، ووحّد كلمتهم، وأمَّن حدود الدولة، ولقَّن الأعداء درسًا لا يُنسى.

المصدر: سبيل الدعوة إلى الله

الكاتب (الأمير) سعود بن منصور يشتكي من (لوبي منظم) في الصحافة الورقية



كاتب الموضوع : التل الفضي

المختصر / اشتكى الكاتب الأمير سعود بن منصور بن سعود بن عبدالعزيز من الاقصاء التي تعرض له من بعض الصحف الورقية المحلية واصفا إياها بأنها (لوبي) منظم مضيفا أن القائمين على الصحف (بكاشين) و يدعون الحريات ولا يطبقوها!! كما يدعون أن لهم (رأي) لا بد أن يكون (آخر) وهم لا يحترمون الآخر!! مؤملا من أي وزير معني تصحيح الصحافة المقروءة لتكون صحافة الجميع مشيرا إلى أنه ينبذ التقسيم والتحزب ويرى أن الجميع مسلمين..عرب..سعوديين..
وتابع قائلا: وعار علينا أن ندعي الحريات ولا نطبقها وعيب علينا أن نصمت ونكون كالشياطين الخرس!!
وقال سمو الأمير الشاب وهو كاتب صحفي بجريدة الاقتصاديةا قال لي أحد الأشخاص الذي ترفض كل الصحف النشر له أنت (أمير) فلن يرفضوا لك مقال فابتسمت في وجهه وقلت له: أبشرك رفضوا!!
وأضاف: أنا لا أشكك في النوايا فهذه علمها عند الله ولكن شعرت بما يشعر فيه كثيرا من (الكتاب) ومنهم من صرح لي بذلك عبر (الايميلات) لأنهم لو صرحوا بذلك لحجبت كتاباتهم وانقطع رزقهم!!
وفيما يلي تنقل "أنباؤكم" نص مقال سمو الأمير سعود بن منصور بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود والذي حكى فيه تجربته الصحفية ومعاناته مع القائمين على الصحف المقروؤة ونشرته مجموعة الإعلامي (عبد العزيز قاسم) البريدية:
صحفنا البكاشة!!
بقلم: سعود بن منصور بن سعود بن عبدالعزيز
من الأخير وبكل وضوح يشابه وضوح الشمس في رابعة النهار:
صحفنا والقائمين عليها..ولعلي أضع كلمة (أكثر) قبل كلمة صحفنا لتكون أكثر صحفنا والقائمين عليها (بكاشين) أي (كذابين) ولكن بلغة توجيه الكذب للصغار!!
المتابع للصحافة الورقية يلاحظ الدعم اللا منتهي لمن (يدندن) على وتر (الحريات) و(المرأة) والهجوم على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمواد أساسية يتخللها مواد (حشو) ومواد مجتمعية للتمويه!!
بدأت (الكتابة) في صحيفة (ما) بمقال أحارب فيه (الخوارج) وتحديدا بعد محاولة اغتيال (سيف نايف) الفاشلة بحمد الله..
ومن ثم كتبت 32 مقالا منوعا بلا (أسقف) للحرية بسبب (شجاعة) رئيس التحرير رغم عدم تنويع الكتاب في الصحيفة ورغم عدم إلتقائي معه (فكريا) الا في مواضيع (السياسة) وهذه شهادة حق..
وأثارت بعض المقالات جدلا وتساؤلات لعدم تقبل بعض المتابعين للصراحة التامة!!
(ما علينا) وكتبت مقالا (محافظا) يتحدث عن (هموم البنات) وكيفية تربيتهم في دائرة (الشريعة) الإسلامية والعادات (الحميدة) وفوجئت بأن يراسلني المسئول عن صفحات الرأي بطلب مقال آخر!!
علما أنهم على دراية بأني أرفض (الوصاية الفكرية)..
فطلبت منهم معرفة السبب قبل كل شيء..وكان السبب بأنها لا ترتقي لمستوى كتاباتي وفكري!!
(تعوذت من إبليس إني أشك) بعد ذلك كتبت مقالا وطنيا منصفا مباشرا ولكن يبدوا لي بأن هناك تنسيق بين هذا وذاك بأن يغلق هذا الملف دون رجعة حسبنا الله و اللهم اجعل الأمطار سقيا رحمة وخير ولا تجعلها سقيا هدم ودمار قولوا آمين!
فهجرتهم بغير رجعة..لمدة أربعة أشهر وبعدها طلب مني أحد المحببين إلى قلبي بأن أعاود الهرولة الفكرية من جديد فوافقت بلا أي تردد وكتبت 10 مقالات أتمنى أنها نالت استحسان القراء علما أن رئيس (التحرير) تفهم وجهة نظري برفض (الوصاية الفكرية) وأسمعني من (الحديث) مما جعلني أشعر بتحليق ليس له سقف ولا آخر وبعد المقال (الأول) طلب مني مقال بديل ولأجل من طلبني العودة تنازلت مع (تلميحة توبيخية) بعدم التكرار!!
سارت الأمور بشكل انسيابي فجأة رفض لي مقالا (شبه) حساس عقائديا نشرته في النت بعنوان (منعوا نشره) ولا أعلم لماذا لم يتم إبلاغي بعدم نشره!!
وأظن (السبب) كان عتب بسيط مني له لوضع زاويتي الأسبوعية في صفحة لا يوجد فيها زاوية طوال الأسبوع سوى زاويتي وباقي الأسبوع (حوت مغرز) أو (طيارة تدق رقبة) وأمور غريبة!!
فقلت له بما معناه: أتمنى نقل زاويتي لصفحات تليق بالمضامين لأني أرى مقالات لكتاب و(مسئولين) يتم تلميعها و(سمكرتها) ووضعها في صفحات الرأي أو المقالات..وهي لا تستحق ذلك ولو كنت (أنا) رئيسا لتحرير مجلة (ميكي) لرفضت نشرها!!
ويبدوا لي بأن الرجل (طرطع) وأخفى مقالي من الوجود لمعرفته بأني سأهجر الكتابة بعد ذلك!!
زبدة الموضوع: صحافتنا عبارة عن (لوبي) منظم يريد توجيهنا حيثما يريد!!
يدعون الحريات ولا يطبقوها!!
يدعون الكمال والكمال لله وحدهَ!!
يدعون أن لهم (رأي) لا بد أن يكون (آخر) وهم لا يحترمون الآخر!!
قال لي أحد الأشخاص الذي ترفض كل الصحف النشر له أنت (أمير) فلن يرفضوا لك مقال فابتسمت في وجهه وقلت له: أبشرك رفضوا!!
أنا لا أشكك في النوايا فهذه علمها عند الله ولكن شعرت بما يشعر فيه كثيرا من (الكتاب) ومنهم من صرح لي بذلك عبر (الايميلات) لأنهم لو صرحوا بذلك لحجبت كتاباتهم وانقطع رزقهم!!
أتمنى أن يكون لوزير الإعلام أو وزير الزراعة أو أي وزير الكهرباء أو أي وزير دور في تصحيح الصحافة المقروءة لتكون صحافة الجميع لأني أنبذ التقسيم والتحزب وأرى أننا جميعا مسلمين..عرب..سعوديين..
وعار علينا أن ندعي الحريات ولا نطبقها وعيب علينا أن نصمت ونكون كالشياطين الخرس!!
بلادي:سارعي للمجد والعلياء بصدق أبنائك

المصدر: انبائكم

ذكرى شهيدنا المهندس حافظ كتاب الرحمن


 المتيقن بنصر الإسلام (صورة وفيديو اغتياله)

كاتب الموضوع : eng.ashraf

حافظ كتاب الرحمن, المتيقن بنصر الإسلام
الشهيد يحيى سعيد جبر
عضو مقاتل
ارتقى إلى العلى بتاريخ 1/01/2008م
كيفية الاستشهاد :قصف صهيوني

عزيز هم الرجال الرجال , في هذا الزمن الذي تخنث فيه القادة وأصحاب العروش , وبقي رجال العزة في أرض غزة , رغم القيد والحصار, لعدو الله والدين والبشرية يتصدون, بصدورهم العارية , إلا من الإيمان بوعد رب الأرض والسماء لعباد الله المؤمنين بالنصر والتمكين , فارتقى منهم من ارتقى , وما زال على العهد رجال , عرفوا طريقهم إلى العزة والكرامة , علموا أن الذي يريد نصراً وتمكيناً لابد له من بذل الدماء والأرواح رخيصة في سبيل عزة ورفعة هذا الدين .

الميلاد والنشأة
كان فارسنا من أولئك الرجال الذين عرفوا الطريق للمجد والعلا , إنه الشهيد القسامي المجاهد : يحيى سعيد جميل جبر " أبو طلحة " , والذي بزغ نور فجره حيث ميلاده في الثالث والعشرين من يوليو للعام الخامس والثمانين وتسعمائة وألف للميلاد بعيداً عن نسيم الوطن الجميل الرائع وبعيداً عن رائحة الأرض التي اضطر الاحتلال أهلها للبحث عن مكان آخر يصلح للعيش , في الكويت كان الميلاد , ليكبر الطفل على حب الله والدين والوطن السليب , وليتنقل في طفولته البريئة بين عدد من دول الغربة والشتات .
درس شهيدنا المجاهد الصف الأول والثاني الابتدائي في دولة الكويت , لينتقل بعد ذلك وعائلته الكريمة إلى باكستان ويدرس في مدارسها حتى الثاني الإعدادي , ولتنتهى بذلك حياة العذاب والغربة في عام 1994م ليعود إلى أرض الرباط ليحتضنها وتحتضنه , ويدرس الصف الثالث ال‘عدادي في فلسطين في مدارس وكالة الغوث في مخيم الصمود والكبرياء مخيم البريج .
التحق شهيدنا بمدرسة الموهوبين النموذجية , فقد كان متميزاً موهوباً طوال فترات حياته الدراسية وليتخرج منها حاملاً شهادة الثانوية العامة عن جدارة وتميز واستحقاق فقد حصل على معدل مرتفع (96,5%) , هذا المعدل المرتفع أهل شهيدنا القائد المجاهد للالتحاق بكلية الهندسة _ قسم العمارة _ بالجامعة الإسلامية بغزة حيث كان في آخر سنة دراسية عند استشهاده .
يذكر أن مشروع تخرجه والذي كان صاحب فكرته يحمل عنوان ( واحة القرآن الكريم والدعوة الإسلامية ).

أخلاق الداعية المجاهد
امتاز فارسنا الهمام وأسدنا المقدام بأخلاق عديدة ميزته عن أبناء جيله وجعلت كل من حوله يكن له مشاعر الحب والود والصفاء .
فقد امتاز شهيدنا بتطبيقه للقرآن الذي كان يحفظه في صدره , فقد أحاله سلوكاً وواقعاً على الأرض فقد كان يقتفي بذلك سيرة المصطفى محمد الذي كان قرآناً يمشي على الأرض .
ولعلم شهيدنا بمنزلة معلم كتاب الله فقد عمل محفظاً لكتاب الله عز وجل أملاً في حيازة شرف الخيرية لمعلم القرآن فقد وعى قول الحبيب المصطفى " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " .
تميز شهيدنا منذ نعومة أظفاره بالتزامه بصلاة الجماعة في المسجد , كما كان حريصاً كثيراً على أداء صلاة الفجر في المسجد جماعة فقد كان يردد دائماً " صلاة الفجر مصنع الرجال ومخرجة الاستشهاديين "
كان شهيدنا وفارسنا الهمام صاحب ابتسامة لا تفرق شفتاه يضحك للجميع ويمازح الجميع لذلك فقد أحبه كل من عرفه وتعامل معه والتقى به .
حرص شهيدنا أشد الحرص على التقرب لربه بالنوافل فكثيرة هي الأيام التي صامها نافلة لوجه الله عز وجل .
امتاز شهيدنا المجاهد بإخلاص عمله لله عز وجل , فهو لم يعرف الرياء ولا الشهرة ولا التملق , وكثيراً ما دعى إخوانه وحثهم على الإخلاص لله عز وجل في كل أعمالهم .
كان أبو طلحة كما يصفه أحبابه صاحب عقيدة وهدف ومبدأ إسلامي أصيل , يسعى بكل ما يملك لتحقيق ما وجد من أجله الإنسان على هذه البسيطة وهو العبادة ونشر رسالة الإسلام .
اشتهر عن شهيدنا القائد حبه للنشيد الإسلامي الرلاوحاني الهادئ فقد كان رحمه الله يستمع إليها باستمرار .
وأهم ما عرف عن الشهيد المجاهد أبا طلحة يقينه الكامل وثقته الأكيدة بأن العهاقبة والنصر والتمكين لهذا الدين ولو بعد حين , وأن اليهود وأعوانهم من أعداء الدين هزيمتهم متحققة طال الزمان أم قصر .
عرف عنه حبه للشهداء خاصة الشيخ المجاهد أحمد الياسين .

حياته الجهادية
لم يكن هذا الالتزام المثالي والأخلاق الرفيعة إلا أن تسفر عن شخصية قرآنية , ملتزمة بسنة الحبيب المصطفى نشيطاً في الدعوة لمنهج السماء والتزام شريعة القرآن.
عمل شهيدنا القائد في صفوف الكتلة الإسلامية طويلاً فقد كان أميراً للكتلة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مسجده ليرتقي به نشاطه وإخلاصه بعد ذلك ويصبح أميراً للكتلة الإسلامية بالجامعة الإسلامية في مخيم البريج , ليبز نشاطه ويصبح علماً من أعلام الكتلة الإسلامية نشاطاً وعملاً دؤوباً لينتخبه إخوانه وقبل فترة قصيرة من استشهاده نائباً لأمير الكتلة الإسلامية بمخيم البريج .
يذكر أن الشهيد قد قام بعقد الكثير من الأنشطة والفعاليات والمسابقات والدوريات والأمسيات والزيارات الأخوية ضمن عمله في صفوف الكتلة الإسلامية .
نظراً لإخلاصه المنقطع النظير فقد إختاره إخوانه ليكون جندياً من جنود دعوة الإخوان المسلمين فبايع جماعة الإخوان المسلمين فى العام الثالث بعد الإلفين للميلاد ليصبح مثلاً يحتذي في الفهم والطاعة والإخلاص , فكان نعم الجندي العامل لدعوته والمربي النشط في الدعوة إلى طريق الحكمة والرشاد.
هذه كلها أهلت شهيدنا المجاهد وبعد إلحاح منه شديد وطول انتظار أن يكون جندياً مجاهداً من مجاهدي قافلة النور والتمكين قافلة كتائب العز كتائب الشهيد عز الدين القسام وذلك في العام الثالث بعد الألفين للميلاد .
كان شهيدنا نعم الرجل المجاهد , فقد عرف عنه أنه كان جندياً مخلصاً ومجاهداً صلباً عنيداً لا يخاف في الله لومة لائم .
كان يلبى نداء الجهاد متى دعاه إخوانه لذلك دون كلل أو ملل , وبهمة عالية وروح تواقة للشهادة في سبيل الله عز وجل , مما حذا بإخوانه للثقة العالية فيه توليته قيادة سلاح الإشارة في مخيم البريج .
هذه الثقة لم تزد شهيدنا سوى نشاطاً وعملاً للشهادة التي يتمناها بالليل والنهار فخرج في العديد من المهمات الجهادية , فأبدع في جهاده وأبدع في قيادته , فكان مثالاً طيباً للجندي المسلم العامل لدعوته والقائد المجاهد النافع لدينه .

وحان الرحيل
لم يكن لهذه الحياة المثقلة بالعمل الدعوي والجهادي إلا أ تنتهي بشهادة زكية تشفع لصاحبها وتدخله الجنان من أوسع أبوابها بإذن الله ورحمته .
فشهيدنا القائد ورغم قيادته لسلاح الإشارة في المخيم لكنه رفض أن يكون إلا مرابطاً في االخطوط المتقدمة يحرس بعينيه وطنه الذي أحب تربه وعشق نسيمه وتطلع ليوم النصر الذي ترفع فيه لواء وراية الإسلام فوق ربوعه الطاهرة المباركة .
وفي يوم الثلاثاء الأول من يناير للعام الثامن بعد الإلفين كان شهيدنا القائد مرابطاً على ثغر مقدس من الثغور المتقدمة شرق مخيم البريج , وفجأة وبدون أي مقدمات بدأت صواريخ الأرض أرض تنهال على المكان ليصيب أحدها أبو طلحة مباشرة وتمزق جسده إلى أشلاء , وليرتقي فارس طالما تمنى الشهادة وعمل من أجلها .
رحل في فاتحة عام جديد ليفتح صفحة جديدة من صفحات العز المشرقة التي تكتبها دما القسام مع مداد يختلط برائحة المسك المنبعثة من تلك الدماء الطاهرة , ليؤكد من جديد أن القسام في الميدان لم ولن يغادره بإذن الله وهو على موعد قريب بالنصر والتحرير بإذن الله "يقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً "
رحمك الله يا أبا طلحة وأسكنك فسيح جناته وهداً أننا على العهد باقون نحو العزة ورفع راية الإسلام في كل مكان سائرون . وستظل ذكراك العطرة تهب بنسمات المسك الندية لتحفر أخدوداً من المحبة في القلب لا ينمحي .
فالذكريات نسائم الخلان محفورة في القلب والوجدان


قسم الهندسة المعمارية يحتفل بمناقشة مشاريع تخرج طلبته
احتفل قسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة في الجامعة الإسلامية بمناقشة مشاريع تخرج طلبته، وقد أطلق القسم على فوج خريجي قسم الهندسة المعمارية للعام الدراسي2007-2008 اسم فوج الشهيد "يحيى جبر" وهو أحد طلبة القسم المتوقع تخرجهم هذا العام، والذي قضى شهيداً في وقت سابق من العام الدراسي الحالي، وحضر الاحتفال الذي عقد في قاعة المؤتمرات العامة بمبنى طيبة للقاعات الدراسية كل من: الأستاذ الدكتور عدنان انشاصي – عميد كلية الهندسة، والدكتور فريد القيق – رئيس قسم الهندسة المعمارية، والدكتور أسامة العيسوي – نقيب المهندسين، والدكتور سعيد جبر- والد الطالب يحيى جبر، وجمع من أكاديمي وطلبة قسم العمارة في الجامعة

لا لن نودعكم أيا أحبابنا لكن نقول إلى لقاء ثـان
لكم مني خالص الإحترام و التقدير


فيديو لحظة استشهاد وكيفية اغتياله وكرامتهhttp://www.youtube.com/watch?v=6YQyPcq4Oqc













  

تصادمت المصالح فانكشفت العورات




تصادمت المصالح فانكشفت العورات!!!.

سماك العبوشي

simakali@yahoo.com

جميل أن يتم تطهير البيت مما يعكر صفوه وطهارته، وأجمل من ذلك أن يقوّم الفاسد من أبنائه، والأجمل من كل هذا وذاك أن يجتث الشر من أركانه، أما أن يشتد الصراع فيه لمكاسب ضيقة بعيداً عن مصلحة أبنائه العليا ومبادئهم الحقـّة التي نشأوا وتربوا عليها وعاشوا وناضلوا طويلاً من أجلها، فتلك والله آفة قد أصابت ذاك البيت العريق ما بعدها من آفة!!.

تلك لعمري هي خلاصة ما يجري داخل البيت الفتحاوي من صراع دائر بين السيد الرئيس محمود عباس ومحمد دحلان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح هذه الأيام!!، فما أن تصادمت المصالح الضيقة البعيدة عن الروح الوطنية بينهما حتى طفت على مشهد "البيت الفتحاوي الجديد" الخلافات والصراعات وكيل الاتهامات المتبادلة بالفساد المالي والإداري والسياسي والإثراء غير المشروع ومصادره!!.



بصراحة متناهية، فإنني أعلنها على الملأ، بأنني ما طقت يوماً محمد دحلان، ولم أستسغ ما يسمى بتاريخه "النضالي!!" بالمرة، كما ولم استوعب صعوده البهلواني الغريب داخل حركة فتح ليصبح فيما بعد عضو لجنتها المركزية وأحد أقوياء المشهد الفتحاوي والسلطوي، لكن ما استوقفني في حقيقة الأمر ودفعني للكتابة اليوم هو صيغة المبادئ الثورية الجديدة لقيادة فتح التي تم التعامل بها وتلمسناها إثر اشتداد الخلافات والصراعات بين السيد الرئيس أبي مازن ومحمد دحلان، تلك المبادئ "الثورية الجديدة" لقيادة فتح "الجديدة" التي تم التعامل بها مع محمد دحلان، حيث كان الأخير يوصف ولفترة طويلة خلت بأنه في قمة النضال والعطاء والوطنية والعفة والنزاهة ونظافة اليد!!، ليصبح بنظر قيادته الحركية بين ليلة وضحاها موضع اتهام وتشكيك بنزاهته وفساد ذمته، كما وأثيرت بحقه تساؤلات عن مصدر ثرائه الفاحش "المجهول – المعلوم!!".



أن يتهم دحلان من قبل حركته بتلك الاتهامات فذاك شأن داخلي طبيعي للحركة، يقصد منه التطهير والتشذيب، إنما الغرابة في الأمر تكمن في نقطتين اثنتين:

أولاً... أن تأتي تلك الاتهامات "الجديدة القديمة" هكذا فجأة بعدما تنافرت المصالح بين الطرفين وظهرت حقيقة أطماع وممارسات وأحلام دحلان الوردية وطموحه اللاشرعي للاستحواذ على مقدرات حركة فتح والتآمر على قائدها ورئيسها!!.

ثانيا ... أن تقتصر ردة فعل قيادة حركة فتح ضد دحلان "فقط!!" على لائحة من الاتهامات خلت ولو همساً أو تلميحاً أو تنويهاً إلى حقيقة مواقفه وارتباطاته وتنسيقاته ولقاءاته المعروفة مع الدوائر الأمنية الصهيونية والتي جلبت الكوارث على القضية الفلسطينية وأربكت مشهده طويلاً!؟.



أشهر طويلة من العسل المصفى كانت سمة المشهد الذي جمع السيد الرئيس أبي مازن بعضو اللجنة المركزية لقيادة فتح محمد دحلان وتحديداً من أيام صراع السيد أبي مازن يوم كان رئيساً للوزراء مع الختيار الرمز الشهيد أبي عمار "رحمه الله"، حيث تـُرك المجال فيها لمحمد دحلان رحباً ليسرح ويمرح بطول المشهد الفلسطيني وعرضه كيفما شاء، وما أن فاحت رائحة ممارسات وأطماع دحلان التي أزكمت أنف السيد الرئيس أبي مازن وأحس بخطورة توجهاته وما كان يبيته وسوء ما صدر منه من اتهامات بحقه، فإذا بالسيد الرئيس أبي مازن يقرر بين ليلة وضحاها سحب البساط الأحمر من تحت قدميّ دحلان ويأمر بتشكيل لجنة تحقيقية لمحاسبته على ما صدر منه من اتهامات وعبارات نابية بحقه وما جناه من أموال طائلة لا يعرف مصيرها!!.



سنين طوال ومحمد دحلان يعيث - على مرأى ومسمع من قيادة فتح والسلطة الفلسطينية - بالمشهد الفلسطيني فساداً وإفساداً وخراباً، وكان من نتائجها هذا التصدع الكبير في المشهد الفلسطيني، فلم يخطر ببال قيادة فتح أن تشكل لجنة تحقيقية لمساءلته عن:

1. حقيقة اتصاله بالأجهزة الأمنية الصهيونية ولقائه بقياداتها الميدانية، وتسهيله على سبيل المثال لا الحصر لقاء أبي العينين بقيادات الموساد وتسليمه إياهم معلومات خطيرة عن لبنان وسوريا وحزب الله!!.

2. حقيقة ممارسات دحلان يوم كان ممسكاً لملف غزة الأمني وما سببته تلك الممارسات غير المسئولة من احتقان هناك وما أعقبها من اجتياح حركة حماس لها كضربة استباقية منها وفق مبدأ "أتغدى بك قبل أن تتعشى بي"!.

3. أسباب الانتكاسة الفتحاوية في غزة والتي كان دحلان سبباً رئيسياً ومباشراً فيها!!.

4. فساد ذمته ومساءلته عن مصدر أمواله وغناه الفاحش وأوجه صرفه، هذا إذا ما تذكرنا حقيقة فقر دحلان وما كان حاله في غزة وكيف أصبح من الأثرياء خلال سنوات معدودة!!.



"قد تجاوز دحلان حدوده"، تلك عبارة استوقفتني طويلاً كانت قد وردت على لسان السيد محمد اشتيه – عضو اللجنة المركزية لحركة فتح- في معرض إجابته عن تساؤل طرح عليه والمنشورة في "القدس العربي" عن أسباب توقيت ملاحقة دحلان برغم أن تلك الاتهامات الموجهة ضده ليست جديدة، حيث قال وأقتبس مما ورد نصاً " انه يبدو أن دحلان تجاوز حدوده، وان الرئيس عباس قرر تصويب الأوضاع. وقال اشتية ان لجنة التحقيق تحقق بالاتهامات ضد دحلان التي تضمنت قضايا التطاول على الرئيس ووضعه المالي (تحت شعار 'من اين لك هذا') اضافة الى الوضع في غزة"... انتهى الاقتباس!!، هكذا إذن تجري الأمور في "فتح الجديدة"!!، فدحلان قد تجاوز حدوده "الآن فقط" كما ورد بعبارة السيد محمد اشتيه، فأي منطق ذاك وأي تبرير ومسوغ يساق للتبرير في ملاحقة دحلان!؟، فبرغم كل الجرائم التي اقترفها دحلان وفساد ذمته وإثرائه غير الشرعي وعدم معرفة مصادر أمواله وتعاونه وتنسيقه مع قوات الدوائر الأمنية الصهيونية، فإنه لم يكن حينذاك قد تجاوز "بعد!!" حدوده من المنظور الجديد لقيادة فتح والسلطة الفلسطينية!!، وحين تطاول دحلان على السيد الرئيس أبي مازن وسعى للتآمر عليه وإزاحته من منصبه، فإذا بقيادة فتح والسلطة الفلسطينية "تفطن!!!" لتلك التجاوزات فتبدأ بمحاسبته وملاحقته من خلال لجنة تحقيقية!!!.



تلك إذن هي الثورية في المبادئ الجديدة، التي لا تظهر إلا إذا ما تنافرت المصالح وتعارضت وانكشفت حقيقة الأطماع!!، كنا ولسنوات طوال نسمع ونقرأ "كما قيادتا السلطة وفتح" عن ثروة محمد دحلان التي تفاقم حجمها ولم يعرف مصدرها، غير أننا لم نر أو نسمع بأن قيادة فتح قد سعت لفتح تحقيق معه ومساءلته إلا اليوم!!، الجميع قد سمع وقرأ – وعلى ذمة من نشر- بأن محمد دحلان، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" وعضو المجلس التشريعي – ابن غزة المعدم والفقير- كان وعلى سبيل المثال لا الحصر:

1. قد وقّــّع عقداً خاصاً في دولة الإمارات لشراء برج استثماري بمبلغ 100 مليون دولار في دبي!.

2. يمتلك من المصالح الاستثمارية الشيء الكثير منها مصنعين للمواد الغذائية في جنوب أفريقيا يديرها شخصٌ مقرب منه من عائلة زيدان!!.

3. يمتلك أكبر فندق في غزة!!.

4. قد اشترى منزل "رشاد الشوا" في غزة بمبلغ 400 ألف دولار فقط !!.

5. يمتلك محطة تلفزيونية خاصة به في الضفة الغربية والتي أغلقتها السلطة الفلسطينية في أعقاب تطور الخلاف معه وقبل أن تبدأ بث برامجها!!.

6. قد انخرط في إحدى جامعات بريطانيا الراقية لأشهر لتعلم اللغة الانكليزية وعلى حسابه الخاص كي يهيء نفسه للمرحلة القادمة من حياته السياسية!!.

7. له فوج كبير من المستشارين ورجال الحماية المؤتمرين بأمره والذي يصرف عليهم من جيبه الخاص!!.

8. وما خفي كان أعظم!!!!!.



همسة صادقة في أذن السيد الرئيس أبي مازن:

إن الزمن دوار غدار لا يجب أن يؤتمن له، فما جعل دحلان يـجرؤ يوماً على الختيار عرفات "رحمه الله" الذي آواه واحتضنه ورعاه في تونس في ثمانينات القرن المنصرم، فمن البداهة والمنطق أن يكرر ذات المحاولة معك سيدي الكريم، أم أنك قد نسيت كيف وجه دحلان للختيار أبي عمار إنذاراً شديداً يطالبه فيه بإجراء ما ادعاه "إصلاحاً" قبل العاشر من شهر آب / أغسطس من العام 2004!!.



إن الحقيقة التي لا جدال فيها بأن دحلان شخصية مثيرة للجدل والريبة، فله طموحاته وله أحلامه الوردية بأن يكون رئيساً لفلسطين، بأي شكل ومن أي باب ينفذ منه، حتى وإن كان على حساب الوطنية والثوابت الفلسطينية عبر الدسائس والمؤامرات والتنسيق مع الكيان الصهيوني وأمريكا، ولازالت عبارة بوش الابن تدوي حين أعجب به يوماً فقال"هذا الفتى يعجبني!!"، والإعجاب الأمريكي كما يعرف الجميع له أبعاد وتداعيات يسترنا الله تعالى منها

إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية / د. محمد العبدة



كاتب الموضوع : nur-eldin
هناك أسباب كثيرة ـ بخلاف الأسباب الشرعية المشهورة ـ تدعونا للاهتمام بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، منها: اجتهاداته الكثيرة في قضايا مهمة ما تزال حية إلى اليوم مثل قضايا المال العام وكيف يتصرف فيه، كما أن اهتماماته بأمور المسلمين الحياتية المعاشية، واهتمامه بالبنية التحتية للدولة كما يعبر عنها اليوم، تلفت النظر ونحن بحاجة إلى إعادة قراءتها.

وقد ضرب الله سبحانه لنا مثلاً في القرآن الكريم بالحاكم العادل القوي (ذي القرنين) الذي عنده علم أيضاً بعمارة الأرض ، ويدافع عن المظلومين ، ويعاقب المجرمين، آيات بينات من سورة الكهف تتلى على مر الأيام والليالي. فإعادة سيرة عمر رضي الله عنه وخاصة في إنجازاته الحضارية ليس من باب التفاخر بالماضي ولكن لملاحظة التقصير في الضروريات، والاقتداء بشخصية عظيمة كعمر، وهو من الحكام العادلين المقتدى بهم.

ومن أسباب الاهتمام بعمر رضي الله عنه ما ظهر أخيراً من الإيذاء للصحابة رضوان الله عليهم ، وخاصة لعمر، وقد جاء في الأثر (إذا لعن آخر هذه الأمة أولها ، فمن كان عنده علم فليظهره) وما سمعنا في الماضي والحاضر أن أمة تهدم تاريخها وتشوه تاريخها وتتعمد تحطيم عظمائها إلا هذه الفئة التي تتعمد نسف التاريخ الإسلامي كله. ولكن المنصفين من غير المسلمين يعظمون عمر رضي الله عنه ويعرفون قدره بين القادة والعباقرة، يقول الكاتب اللبناني ( مارون عبود ) " لا أحد يستطيع أن يتخيل النهضة العربية دون أن تمر أمامه صورة أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية وهارون الرشيد .. ".

وإذا أبعدنا هذا الجيل الذي رباه محمد صلى الله عليه وسلم كيف سيكون أمر الدين؟ بل ما الحياة إن خلت من مثل أعلى والصحابة هم المثل الأعلى؛ فقد تميزوا بصفات لم تكن لغيرهم، فهم الذين نقلوا الوحي السماوي كله، فلم يسقط منه حرف، ونقلوا السنة النبوية فحفظوا بذلك الأصول النظرية للإسلام، وحققوا عالمية الرسالة عندما انساحوا في الأرض ينشرون الإسلام. إنه جيل عظيم بكل معاني العظمة، وعندما نصحب هذا الجيل فإنها نعمة كبيرة. يقول الإمام ولي الله الدهلوي: "إن كل من يقرأ القرآن من المسلمين في يومنا هذا مدين في ذلك للفاروق العظيم" لأن عمر هو الذي اقترح على أبي بكر جمع القرآن.

والذين يؤذون الصحابة إنما يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو الذي رباهم، وتوفي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ. ونحن ندعو في كل صلاة (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم)، وأبو بكر من الذين أنعم الله عليهم كما في الآية (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين..) وأبو بكر رضي الله عنه من الصديقين، وإذا كان جيل الصحابة كما يصوره الحاقدون، إذن فعلى الإسلام السلام، ولكن الإسلام باق والحمد لله وظاهر إن شاء الله، ونحن نُجلُّ الصحابة ونحبهم، بل هذا التقدير جزء من العقيدة الإسلامية.

عمر رضي الله عنه المؤسس

عندما يُذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يتحدث الناس عن إسلامه الذي كان فتحاً، وعن عدله الذي بهر العقول، وعن تقواه وخشيته وتقشفه في ملبسه ومأكله (1)، ويذكرون عمر الفاتح الذي فتحت في عهده بلاد الشام بأكملها والعراق وفارس وخراسان ومصر.. ويذكرون عمر المجتهد الفقيه، وقد وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبقرية فقال: "لم أرَ عبقرياً يفري فريه" ووصفه بأنه مُحَّدث (ملهم).

لن نتحدث عن شخصية عمر الذي يداوي إبل الصدقة بيده، ويمشي في السوق وحده، ومع ذلك يصل من هيبته أن القادة الكبار يفرقون منه، ولكن سنتحدث عن شخصية عمر المؤسس للدول، المخطط للعمران، وعن اهتماماته الحضارية، الاجتماعية والاقتصادية، وهو جانب قد يغيب عن بعض الناس، وهو جانب لم يُشتهر به كما اشتهر في الجوانب الأخرى، كيف كان يشغله أمور الناس المعاشية، وكيف كان يفكر فيما يُسمى اليوم (البنية التحتية). وهذا الجانب لا أقول تغفل عنه الدول فقط ـ أو لا تريد تنفيذه ـ ولكن تغفل عنه المؤسسات الإسلامية والجمعيات الإسلامية، فأين هؤلاء من اهتمامه بالنواحي الصحية للمجتمع الإسلامي وقد وسعت سياسته كل ما جَدَّ وكل ما تطلبته حياة الناس.

القضاء

لا تنتظم أمور الناس إذا لم يكن هناك قضاء مستقل، وقضاء في أعلى درجات النزاهة والتقوى والعلم والخبرة. وإن أُولى مقدمات التقدم الحضاري هو أن تقام إدارة للعدل مستقلة عن إدارة الحكم، ويُقال: "أرني قوانين أمة، أدلك على حظها في الرقي أو الانحطاط " وقد قام عمر رضي الله عنه بفصل القضاء عن إدارة الحكم، وأقام المحاكم في كل ولاية، وعين القضاة حسب شروط معينة، وكان يختار القضاة بعد أن يختبرهم في علمهم وذكائهم، ورسالته في القضاء إلى الصحابي أبو موسى الأشعري تعتبر وثيقة قضائية بالغة الأهمية ، وهذا نصها:

أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة فافهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع حق لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه نفسك وهُديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير لك من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا في سنة، واعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها لله، وأشبهها بالحق فيما ترى. المسلمون عدول في الشهادة بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات. وإياكم والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق..

ويستنبط من هذه الرسالة:
1. معاملة الناس جميعاً بالمساواة.
2. يجب أن يحدد تاريخاً معيناً لتقديم الدعوى.
3. إذا لم يحضر المدعي عليه في التاريخ المحدد يمكن أن يحكم في القضية غيابياً.
4. كل مسلم يصلح للشهادة عدا من وقع عليه عقاب أو ثبت كذبه في الشهادات.
ولم يكتفِ عمر بهذا، بل كان يكتب الفتاوى المتعلقة بالأمور المهمة والشائكة ويرسلها للقضاة بين الحين والآخر وقد وضع عمر كثيراً من القيود لمنع وسائل الدخل غير المشروع فقرر الرواتب المناسبة فقد كان راتب سلمان بن ربيعة الباهلي والقاضي شريح خمسمائة درهم شهرياً، ولم يكن يسمح لأي قاض بالبيع والشراء والتجارة وهذه هي القواعد التي تتبعها اليوم الدول المتقدمة بعد عهود من التجربة.



الدواوين والاهتمام بالنظام المالي في الإسلام:

اتسعت رقعة الدولة زمن عمر رضي الله عنه اتساعاً كبيراً، وأصبحت الحاجة ملحة لضبط الأمور، وخاصة في النواحي المالية. ولذلك أُنشئت الدواوين (الوزارات) وهو رضي الله عنه أول من دَوّنها ، فكان ديوان (الجند) وديوان (الخزانة) وديوان العطاء (التأمينات الاجتماعية).
وبعد فتح العراق واجه مشكلة تقسيم الأرض، فقد طلب الفاتحون أن تقسم الأرض بينهم، وعارضهم في هذا الرأي.
وكان رضي الله عنه يتوخى الحذر في القضايا الكبيرة الاجتهادية فكان لا يفصل في قضية دون أخذ رأي الصحابة، ويظل ثلاثة أيام يشاور الصحابة، وقد أيده في رأيه على وعثمان وزعماء الأنصار، وعارضه عبد الرحمن بن عوف وبلال، وكان أشدهم عليه بلال رضي الله عنه، حتى قال: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه. وكان رأي عمر أن الأرض إذا وزعت على الفاتحين فمن أين ستأتي بعدئذ نفقات الدولة ونفقات الجهاد والدفاع عن البلاد، ومَنْ للذرية بعدئذ، واستشهد عمر بالآيات من سورة الحشر "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" [الحشر 9 – 10] استنبط عمر من هذه الآية أن الأجيال المسلمة القادمة لها الحق في الأراضي المفتوحة، وهكذا استقر الرأي على بقاء الأرض بأيدي أصحابها ويدفعون الخراج عنها.

إن ترك المال بأيدي الناس ليعملوا أو يربحوا، وتزداد أموالهم هو الرأي الصحيح في قضايا المال، وهو يدل على عمق فهم عمر لمصلحة الأمة، وعمق نظرته المستقبلية، وهذا ما أدركته أوروبا في العصور الحديثة وأثبته (آدم سميث) في كتابه (ثروة الأمم) حيث إن الثروة لا تقاس بما يملكه الحكام أو الملوك، ولكن بما يملكه الناس، فالدولة لا تشتغل بالتجارة أو الصناعة.

ولم يكتفِ رضي الله عنه بهذه النظرة لمستقبل الأجيال، بل أمر بمسح أرض العراق، حتى يكون كل شيء محسوب بدقة، ولا يظلم الذين يعملون في الأرض، ولم يكن مسح الأرض من الفنون التي تعرفها العرب واختار رجلين من الصحابة لهذه المهمة: عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان، وكانت لهما خبرة في هذا المجال، بل يذكر الإمام أبو يوسف في كتابه (الخراج ) أن عثمان بن حنيف كان يقيس بدقة كما لو كان يقيس الأقمشة النفيسة.

وخوفاً من أن تُحمِّل الأرض خراجاً لا تطيقه فقد استدعى هذين الصحابيين ليسألهما، كما روى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: "رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال: " كيف فعلتما ، أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمراً هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل، فقال عمر: لئن سلمني الله تعالى لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي".

ومن الأمور الغريبة أنه بالرغم من أن عمر حدد الخراج في يسر وسهولة، ولكن مقدار الخراج الذي جبي في عهده لم يجب مثله فيما بعد، وذلك للعدل الذي كان ولرفقه بالرعية، وتحت نظام الخراج قضى عمر على نظام الإقطاع الروماني المنتشر في بلاد الشام، وأقام نظاماً للإنصاف مع البلاد المفتوحة لا يوجد له مثيل في أي بقعة من الأرض.

ديوان العطاء

قرر عمر رضي الله عنه لكل مسلم مخصصات مالية مستمرة، سواء أكان رجلاً أم امرأة، كبيراً أم صغيراً (حتى للطفل الرضيع) كما شملت هذه التأمينات الفقراء من غير المسلمين، وعندما بدأ بتسجيل أسماء الناس قال: بمن نبدأ؟ قال له عبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك، قال: لا، بل نبدأ ببني هاشم وبني المطلب وفرض للعباس ثم لعلي رضي الله عنهما، ثم الأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكان لهم أعلى المخصصات، ثم أهل بدر، ثم الذين بعدهم وعندما قرر راتباً لأسامة بن زيد أكبر من راتب ابنه عبد الله قال عبد الله: أسامة ليس أفضل مني، قال عمر: ولكن أسامة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وفرض لكل مولود مئة درهم، فإذا ترعرع مئتي درهم، فإذا بلغ رشده زاد له في العطاء. ويقول "والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال" وهذا هو الحق، وهذا هو الفقه لرسالة الإسلام، فالفرد في الدولة الإسلامية له الحق في المأوى والمأكل والملبس، ولا يجوز أن يعيش إنسان بين المسلمين ويموت جوعاً.
إن هذه الرواتب هي الحد الأدنى لكل إنسان، ولا يجهل عمر رضي الله عنه أن لا تكون هذه العطايا مدعاة للكسل وترك العمل، وعندما كتب الإمام الماوردي عن مهمة المحتسب في الإسلام قال: "وهي تنبيه القادرين على كسب عيشهم وتأديبهم إذا كانوا يأخذون الصدقات وهم قادرون على العمل واستدل بفعل عمر قال: وقد فعل عمر ذلك بقوم من أهل الصدقة".

من أين لعمر رضي الله عنه هذه الثقة في أن يأتي الراعي في صنعاء نصيبه من هذا المال؟ إنه من العدل ومن تنظيم بيت المال، وقد وضع القرآن الكريم والسنة النبوية أصول النظام المالي وأعطاه صفته التفصيلية عمر بن الخطاب، وقد استفاد أيضًا من تنظيمات البلاد المفتوحة.
عندما ورد على المدينة أموال عظيمة من الخراج لم يكن هناك مكان معين لبيت المال، كان المال يوزع على المسلمين في وقته، ولكن عندما كثر المال شاور عمر الصحابة، فكان رأي علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يقسم المال في نفس السنة ولا يوضع شيء منه في الخزانة، وخالفه في ذلك عثمان رضي الله عنه، وقال الوليد بن هشام: لقد رأيت عند ملوك الشام إدارتين منفصلتين إدارة الحكومة وإدارة الخزانة، واستحسن عمر هذا الرأي وأسس بيتًا للمال، وأقام أول خزانة كبيرة في دار الخلافة، وعين عبد الله بن الأرقم (صاحب بيت المال) وأمر ببنية قوية لبيت المال في الكوفة.

الاهتمام بالزراعة وشق الأنهار وتمهيد الطرق

أولى عمر اهتمامًا كبيرًا بتطوير الزراعة واستصلاح الأراضي وأصدر بهذا الشأن حكمًا عامًا بأن من يصلح الأراضي البور أينما وجدت في جميع أنحاء الدولة فإن ملكيتها تؤول له وإذا لم يصلحها في غضون ثلاث سنوات تسترد منه.
إن الزراعة كما يقول علماء الاقتصاد في العصر الحديث هي أساس الاقتصاد وأساس الصناعة "وعلى هذا الأساس، فالأرض هي الوسيلة المأمونة كما يقول اليوم الاقتصاديون الذين يدرسون مشاكل العالم الثالث لضمان (إقلاع) مجتمع ما من مرحلة أولية إلى مرحلة ثانوية.." (2)

إن اهتمام عمر بالزراعة والأرض جعله يهتم أيضًا بإدارة الري مثل إقامة السدود وبناء القناطر لتوزيع المياه وشق فروع للأنهار، وقد استأذن جزء بن معاوية عمر ليحفر أنهارًا كثيرة في مراكز الأهواز وخوزستان لاستصلاح كثير من الأراضي غير الصالحة للزارعة. ومن اهتماماته رضي الله عنه ما يسمى اليوم بـ(المنافع العمومية) أو البنية التحتية والحالة المعيشية للناس؛ ولهذا أمر بشق الأنهار التي توصل الماء إلى المدن مثل نهر أبو موسى، وكان طوله تسعة أميال. وكان سبب ذلك أن الأحنف بن قيس اشتكى إلى عمر ملوحة أرض البصرة فيضطر الناس لإحضار الماء من مسافة ستة أميال، فأمر عمر أمير البصرة أبو موسى الأشعري بأن يحتفر نهرًا لأهل البصرة يتفرع عن نهر دجلة. وحفر في دجلة أيضًا نهر معقل الذي يضرب به المثل (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل) وكلف بمهمة إعداده الصحابي معقل بن يسار، ولكن أعظم الأنهار وأكبرها فائدة ذاك الذي أمر به عمر أيضًا والذي اشتهر باسم خليج أمير المؤمنين وهو قناة تصل ما بين نهر النيل والبحر الأحمر، وكانت بداية هذه القناة في الفسطاط، ثم إلى بلبيس، ثم إلى البحر الأحمر وقد أنجز المشروع في ثمانية أشهر(3) فكانت السفن تنقل المؤن والبضائع من مصر إلى المدينة بيسر وسهولة، وبقى هذا المشروع ثم أهمل بعد القرن الأول من الهجرة.



أما إصلاح الطرق وتمهيدها، وهو شيء أساسي في (البنية التحتية) فقد اهتم به عمر اهتمامًا بالغًا وهو الذي يقول: (لو أن شاة عثرت في شط الفرات، لخشيت أن أسأل عنها) وهذا شيء لم يسمع به في أي حضارة من الحضارات السابقة، لأن تمهيد الطرق هو الذي يؤدي إلى الاتصال السهل بين المدن والقرى والبادية ويساعد على انتعاش الزراعة والصناعة، كما هو الحال في أوروبا اليوم(4)



كما بنى عمر استراحات بين المدينة ومكة للمعتمرين والحجاج، واتخذ في كل مدينة دارًا للضيافة. إن نظرة عمر رضي الله عنه للمال واهتمامه بشؤون الناس المعاشية واهتمامه بالطرق والقنوات المائية، وكذلك اهتمامه بتنظيم (النقد) وضبط المعاملات بها، وضمان تنفيذ العقود وحرية الناس التجارية من خلال القضاء المستقل. إنما يعطي مثالاً واضحًا لدور الدولة في الإسلام التي لا تتدخل في شؤون الناس المعاشية أو تشاركهم في أموالهم ومشاريعهم وإنما هي الحماية ونشر الأمن، وضبط السوق حتى لا يقع الاحتكار أو أي نوع من الاعتداء على الممتلكات.



بناء المدن

يقال أن الحضارة الإسلامية هي حضارة مدن، فقد بنى خلال هذه الحضارة مئات المدن، ما يزال كثير منها موجود حتى الآن، وقد بدأ هذا الاتجاه الحضاري عمر بن الخطاب وذلك حين قدمت إليه الوفود بعد فتح جلولاء وحلوان فلم تعجبه هيئاتهم وأجسامهم فقال لهم: ما الذي غيركم؟ قالوا: وخومة البلاد، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن ابعث سلمان وحذيفة رائدان ليرتادا منزلاً بريًا بحريًا، فظفر بالكوفة وأقرهم عمر وأذن لهم في البنيان ولكن على ألا يتطاولون في البنيان، وقال لهم: (الزموا السنة تلزمكم الدولة) وطلب من سعد أن يدعو أبا الهياج بن مالك وأمره أن يجعلها مناهج (شوارع) عرض كل منها أربعون ذراعًا، وأخرى عرض كل منها ثلاثون ذراعًا، وأخرى عرض كل منها عشرون ذراعًا لا تضيق عن ذلك شيئًا. ثم بنيت البصرة وفي مصر بنيت الفسطاط والجيزة ولذلك يلقب رضي الله عنه بأنه (أبو المدن) وهو لا يكتفي بالإذن بالبناء، بل يخطط لهم موقع المدينة المناسب (ليس بينه وبينهم ما يمنع الوصول إليهم) ومقدار اتساع شوارعها، وينهاهم عن التطاول في البناء حتى يبقى المسلمون في حالة وسط ولا ينتقلون إلى حالة الرفه والإسراف، وإذا وقع ذلك فعندئذ تذهب عنهم الدولة ويروى أن عمرو بن العاص أمير مصر اتخذ منبرًا مرتفعًا، فكتب إليه عمر: بلغني أنك اتخذت منبرًا ترقى به على رقاب المسلمين، أو ما بحسبك أن تقوم قائمًا، فعزمت عليك لما كسرته، وبنى خارجة بن حذافة غرفة (فوق البناء الأرضي) فكتب إلى عمرو بن العاص: فقد بلغني أن خارجة بنى غرفة، وقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله..
إنها عبقرية عمر في النظرة للمستقبل وما سيؤول إليه أمر المسلمين حين يقعون في الترف المهلك، وفي تبديد الأموال على البناء والزخرفة.



حرية الفرد وكرامته وشخصيته

إن حماية حرية الإنسان وصيانة كرامته من أهم المطالب الشرعية، ولا تستقيم الحياة البشرية بدونها، فالاعتزاز بالنفس وخلق الإباء من الأسس الهامة لنضج الأخلاق؛ ولذلك اهتم عمر رضي الله عنه بهما، ويقول مخاطبًا وفود المسلمين إلى المدينة: "أيها الناس، إني والله ما أرسل عمالاً (أمراء) ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فو الذي نفس عمر بيده لأقصنه منه، قال عمرو بن العاص: لو أن رجلاً أدب بعض رعيته أتقصنه منه؟ قال: أي والذي نفسي بيده إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصنه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه.." وكان يقول للعمال (أمراء المناطق) "لا تضربوا أبشار الناس فتذلوهم" فهو رضي الله عنه يهتم بكرامة المسلم لأن في ضربه إذلالاً له، وعندئذ يصبح شخصية ضعيفة مستكينة، وليس هذا من تربية الإسلام.
بل هو يهتم بكرامة الانسان، كل إنسان وهو الذي قال قولته المشهورة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا" عندما ضرب مسلم رجلاً قبطيًا في مصر.
ومن اهتمامه بشخصية المسلم التي يريدها أن تبقى في حالة وسط لا تقع في الترف ولا تصل إلى حالة الشظف، شخصية متعالية على عبادة الأثاث والرياش، يقول مخاطبًا المسلمين "اخشوشنوا وتمعددوا (5) وانزوا على الخيل" ويطلب من الآباء تعليم أولادهم السباحة والرماية وركوب الخيل. ويطلب من سعد بن أبي وقاص بناء المدن بعيدًا عن المستنقعات حماية لصحة المسلمين.


العلم ونشر العلم

من البديهي أن القرآن الكريم هو أساس العلم وأساس الحضارة الإسلامية، وقد نوه القرآن وأشاد كثيرًا بالعلم والعلماء وأثار في نفوس المسلمين حب العلم والتعلم، ومن أعظم أعمال عمر جهوده العلمية خدمة للإسلام ما أشار به على أبي بكر رضي الله عنه في جمع القرآن، وكانت طريقة جمعه على أسس علمية دقيقة فقد وضع عمر منهجًا للتوثيق، فلا يؤخذ أي مخطوط (آية أو آيات) لا يشهد شخصان على أنه مكتوب وليس من الذاكرة فقط، فجمع بين الحفظ في الذاكرة والكتابة، شاهدين عدلين على الكتابة وشاهدين عدلين على الحفظ (اسم القرآن يدل على القراءة واسم الكتاب يدل على الكتابة). وبعد أن تم هذا المشروع العظيم، كان الذي يشغل بال عمر هو تعليم المسلمين هذا الكتاب وخاصة الذين أسلموا بعد أن فتحت بلدانهم، ولذلك أرسل المعلمين من كبار الصحابة إلى المناطق المفتوحة ليعلمونهم دينهم، أرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة، وعمران بن حصين ومعقل بن يسار إلى البصرة، وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل إلى الشام، فالفتوحات لا تترسخ وتستقر إلا بأن تنصهر هذه الشعوب في بوتقة الإسلام ويعيش المسلمون أمة واحدة. وحتى ينتشر العلم في كل مكان، أرسل عمر رجلاً يجول بين القبائل في البادية معلمًا للقرآن، أي أن عمر نشر التعليم الإلزامي.


الاهتمام بالوقت والتاريخ

عندما قدم إلى عمر صك مكتوب عليه كلمة (شعبان) قال عمر: كيف نعلم أن المقصود شهر شعبان الماضي أم الحالي؟ فعقد مجلسًا للشورى حضره كبار الصحابة وعرض هذه المسألة، أي تحديد التاريخ حتى لا تقع الأخطاء في العقود والمعاملات، فقال البعض: أرخوا من مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال آخرون من مبعثه، وأشار علي رضي الله عنه إلى أن يؤرخ من الهجرة، فاستحسن عمر هذا الرأي واستقر الأمر على أن تكون بداية التأريخ من بداية هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأرخوا من محرمها.

----------------------------------------------------------

(1) يقول المؤرخ الأمريكي ( ول ديورانت ) واصفاً مجيء عمر إلى بيت المقدس: "وجاء الخليفة نفسه للتصديق على شروط التسليم ، جاء من المدينة في بساطة أفخر من الفخامة " [قصة الحضارة 13 / 76]
وعن أبي الغادية الشامي قال: "قدم عمر الجابية على جمل أورق تلوح صلعته للشمس ليس عليه قلنسوة ولا عمامة".
(2) مالك بني نبي: مشكلة الأفكار /40
(3) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة [1/19]
(4) قال أحد أساتذة الجامعات في أمريكا: إن أعظم إنجازات الرئيس (أيزنهاور) هي شبكة الطرق التي أنجزت في عهده وليس انتصاراته في الحرب.
(5) أي كونوا مثل جدكم معد بن عدنان في البأس والخشونة.

المصدر: المسلم

دحلان لن يصيبه أذى د. عبد الستار قاسم


هناك من هو مبتهج بتعليق عضوية دحلان في اللجنة المركزية لحركة فتح، وهناك من يرى في الأمر فرصة لتأكيد حرص السلطة الفلسطينية على تصحيح الأمور، وهناك من يرفض هذا التعليق ويتوعد، الخ. وهناك من هو متفائل بإدانة دحلان، وهناك من يقول إنه سيعاقب وسيحاسب، ويرى أن السلطة الفلسطينية ستشهد موجة من الحساب تبشر بحسن سيرها وبتلافي أخطاء الماضي.
أنا لا أعلم بالضبط ما الذي أثار أبو مازن أو أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح ضد دحلان، وأسمع إشاعات كثيرة كما يسمع غيري، بل ربما أسمع من عناصر قريبة من "الطوشة" أكثر مما يسمع غيري. لكنني أعلم أن أعمالا غير طيبة ومشينة في كثير من الأحيان حدثت على الساحة الفلسطينية في الداخل والخارج عبر السنوات، ونجا فاعلوها من العقاب والحساب، وحصلوا مع الزمن على مواقع أعلى من المواقع التي كانوا فيها. وفي عهد السلطة الفلسطينية، حصلت فضائح كثيرة ومكشوفة على الناس حتى بتنا نعرف أبو الجوالات، وأبو النسوان، وأبو الطحين، وأبو الإسمنت، وأبو الطبيخ، وأبو الخدامات، وصاحب أولمرت، وعميل الشين بيت، الخ، لكن أحدا لم يصل إلى عود المشنقة أو إلى الحكم عشرين عاما بالأشغال الشاقة في محاجر جماعين ويطا.
كل هؤلاء أصحاب الفضائح من أصحاب السلطان، ورجال السلطان، وأعوان السلطان، بل هم وكلاء السلطان الخارجي. بعضهم وكيل صنعته الصهيونية، وبعضهم الآخر وكيل صنعه الأمريكيون، وبعضهم وكيل للوكيل الأصلي، أو منافق يبحث عن وكالة أو رضا وكيل، أو وكيل الوكيل. هؤلاء مصنوعون صناعة وليسوا قيادات أصيلة، أو في الإنكليزية مفبركون فبركة ولا يعاقبهم إلا من فبركهم، ولا يقيلهم إلا الذي يمولهم، ولا يستبدلهم إلا الذي يرى بديلا غيرهم، ولا يعاقبهم إلا الذي يحمل عصا متعهم. وهم في النهاية شركاء في جريمة ضد الوطن والشعب، وهذه هي الوظيفة التي وجدوا من أجلها. ولهذا لم أكن أتوقع عقابا لأحد، أو تحقيقا جادا مع أحد.
أكرر بأنني لا أعلم بالضبط مشكلة دحلان، لكنني أعلم أن دحلان يملك الكثير من المعلومات حول مختلف القيادات الفلسطينية، ويملك أسرارا كبيرة وخطيرة، ويعرف الكثير عما خفي من الأمور، وله علم بالمستور والمعلن والمفضوح. وكما جرى عليه عهد التاريخ، المجرم يخشى التحقيق مع من يعرف عن جريمته، والمتورط يبتعد عمن يعلم عن تورطه، والخائن يتوارى عما يمكن أن يكشف عن خيانته. من المحتمل أن دحلان قد صنع شيئا ضد من يتهمونه، لكنهم لن يحققوا معه بجد لأنهم يعلمون أن الثمن الذي يدفعونه من خلال التحقيق أعلى بكثير من الثمن الذي يمكن أن يدفعوه بدون تحقيق.
ولهذا سيكون التحقيق شكليا، وسيبقى طي الكتمان، ولن يطول زمنيا، وسيتم نسيان الأمر، وربما من خلال ذرائع توصف بالوطنية والحرص على المصلحة العامة

مقاومة - مفاوضات: الاستراتيجية المستحيلة


بقلم: منير شفيق

2010-12-31


أثبتت التجربة، ومن خلال الاستناد إلى الوقائع في ما انتهت إليه الأوضاع على المستوييْن العملي والسياسي، ما يأتي:

1- لا جدوى من المفاوضات والسير في طريق التنازلات من جانب واحد، تحت شعار إيجاد حلّ للقضيّة الفلسطينية أو ما يسمّى التسوية وصولاً إلى الحل على أساس حلّ الدولتين.

2- ما سجلته التجربة هو أن كل ذلك كان يتمّ من خلال تقديم التنازلات من جانب واحد، فيما الطرف الإسرائيلي لم يشر من بعيد أو قريب إلى ما يسلم به كحق من حقوق الشعب الفلسطيني وعلى التحديد في الأرض الفلسطينية.
إن أقصى ما قدمه كان الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة للفلسطينيين. وهذا لا يعني الاعتراف بأي حق للشعب الفلسطيني في أرض فلسطين ولا حتى في جزء منها. ناهيك حتى عن الاعتراف بحق العودة، أو بحق الوجود في أرض فلسطين.

3- إن مجرد التفاوض من جانب الطرف الإسرائيلي لم يعنِ، لا تلقائياً ولا ضمناً، أو علناً، اعترافاً بأيّ حق للشعب الفلسطيني. بل لم يصحبه أي اعتراف بأي قرار من قرارات هيئة الأمم المتحدة، ابتداء من قرار التقسيم وانتهاء بالقرار 242. وهذا هو موقفه حتى الآن. بل حتى خريطة الطريق بعد أن ووفق عليها فلسطينياً سجّل المفاوض الصهيوني عليها 14 تحفظاً.

4- كان نهج القيادات الإسرائيلية ومن قبلها قيادات الوكالة اليهودية هو هاتوا ما عندكم، خطوة بعد خطوة، من "التنازلات"، أو الأدق من الاعترافات بحقوق لليهود كما يترجمه المشروع الصهيوني والدولة الإسرائيلية.

5- وكان النهج المتكرر منذ اليوم الأول من جانب بريطانيا، ثم لاحقاً من جانب اميركا والدول الغربية، ومن يمكن أن يجرّ إليه من دول وقوى سياسية واجتماعية في العالم هو التالي: طرح مشاريع للحل، أو مبادئ للحل أو اتخاذ قرارات دولية. وهي جميعاً كانت موجهة، في حينه وحتى الآن، إلى الفلسطينيين والعرب والعالم للاعتراف بها باعتبارها الحل الوسط المعقول والمقبول لحل الصراع عند الحد الذي وصل إليه التنازل الفلسطيني والعربي. وكان قدّم في السابق كحل وسط.

6- وكانت المحصلة باستمرار انتزاع الموافقة الفلسطينية والعربية، وحتى الدولية غير العربية عموماً، سواء بعد تمنّع أم فوراً أم تدرّجاً على المطروح في كل مرحلة. ولكن من دون اشتراط الموافقة عليه من جانب قادة المشروع الصهيوني. فقد كان نهجهم هو انتظار موقف الطرف الآخر بداية، وما أن يعلن موافقته، يعتبرونها خطوة إيجابية، حدثت مع مشروع الحل المطروح أو القرار من هيئة الأمم المتحدة ثم يعتبرونها غير كافية.

ثم يبدأون بطرح تحفظات ليترك الأمر للتفاوض الذي لا يقوم على أي شروط مسبقة، عدا الاعتراف بدولتهم وما تمّ تحقيقه. وهكذا تدرجت كل المشاريع والقرارات، ودعك من التي طلب من الفلسطينيين أو العرب المبادرة إلى طرحها، كحل، أو برنامج مرحلي، أو عبرّت عن موقف جديد، مثلاً البرامج المرحلية على اختلافها، أو مبادرة السلام العربية، أخيراً. وخلاصته:

- الجانب الإسرائيلي يستقبل ما يكون قد قدّم له من خلال كل مشروع حل أو قرار من هيئة الأمم، أو موقف فلسطيني أو عربي، اتخذ في حينه، فيعتبره قد أصبح في الجيب فيما المطلوب "تطويره" من جانب الآخرين والوسطاء أو عبر المفاوضات وما سيطلبه فيها. هذا هو الموقف والمسار حتى الآن.

- الجانب الفلسطيني والعربي الباحث عن تسوية يكون عملياً قد قدّم تنازلاً جديداً، ولم يحصل في المقابل على شيء من الاعتراف بأي من الحقوق الفلسطينية في الأرض والوطن والوجود عليها أو العودة إليها.

- الجانب الدولي المعني في الرعاية والوساطة (الدول الغربية أساساً) يقبل في كل مرّة وجهة النظر الإسرائيلية، عملياً، إن لم يكن رسمياً، فيتناسى بعد حين ما كان قد طرحه من مشروع حل، أو اتخذ من قرار دولي من قِبَل هيئة الأمم المتحدة، وأساساً، من مجلس الأمن. ثم يبدأ بطرح مشروع "حل وسط" أو حل "معقول ومقبول" جديد ("حل عادل")، يتجاوز ما وافق عليه الفلسطينيون والعرب ليكون الحل الوسط بين آخر موقف لهم وسقف إسرائيلي أعلى جديد (مفترض من جانبهم؛ لأن الجانب الإسرائيلي لم يحدّد سقفاً للحل قط ولم يزل).

- حتى مشروع حلّ الدولتين (الدولة في الضفة والقطاع أو ما يسمّى في حدود 1967) أُدخِل عليه مبدأ "تبادل الأراضي"، والبحث عن حل مشترك ل"القدس الشرقية" مع اعتبار مصير القدس الغربية منتهياً. وما كان منتهياً إلاّ في المرحلة الأخيرة من جانب اميركا والدول الغربية (الاعتراف ب"القدس الغربية" عاصمة لدولة إسرائيل والتفاوض على وضع "القدس الشرقية").

وبهذا لم تحدّد الأراضي التي ستقوم عليها الدولة الفلسطينية، وما هو وضعها الحقوقي: هل سيعترف بأنها حق للشعب الفلسطيني أم يترك له أن يعتبرها كذلك فيما يعتبر الجانب الإسرائيلي أنه قام بإعادة انتشار، أو فك ارتباط، أو اعترف بدولة دون الاعتراف بحقها في الأرض التي تقوم عليها. وحتى هذا سيكون مشروطاً بعدد من القضايا الأمنية بما فيه السيطرة على المداخل والأجواء وتحديد التسلح وعدد من الشروط الأخرى الإقتصادية والسياسية.

ما يظهر حتى الآن دولة مفرغة من السيادة السياسية والأمنية، وحرمان من الحق في الأرض التي تقوم عليها؛ لأن الجانب الإسرائيلي سيظل يؤكد بأنها جزء من أرض إسرائيل.

ثم تأتي ثالثة الأثافي وهي شرط الاعتراف بيهودية الدولة. وقد أصبح سياسة رسمية للإدارة الاميركية. إن هذا الاعتراف يمسّ "أصل الحق في فلسطين" أي المطلوب من الفلسطينيين والعرب والمسلمين والعالم الاعتراف به كذلك. وبهذا لا يعود الاعتراف بحق الوجود لإسرائيل، ولا مجرد الاعتراف الديبلوماسي بها، وإنما يراد منه أن يكون اعترافاً بأصل الحق في فلسطين أي فلسطين حق مَنْ راهناً وتاريخياً؟

وبهذا تكون التجربة التاريخية أثبتت أن المفاوضات وعملية التسوية، وبتواطؤ غربي، كانتا طريقاً باتجاه واحد. الطرف الإسرائيلي يأخذ ويأخذ، ولم يقدّم شيئاً قط، عدا الاعتراف، المفرغ من أيّ اعترافٍ بحقوقٍ في الأرض للشعب الفلسطيني. أي الاعتراف بمنظمة التحرير بأنها ممثل لا أكثر، مع إلغاء جملة من بنود ميثاقها وتركها بلا ميثاق (دستور). ثم جاء القبول بحلِّ الدولتين من دون أن يُعترف بأيّ محتوى للدولة الفلسطينية، وعلى أيّة شروط ستقوم، عدا ما سيخرج من المفاوضات. أي ما سيوافق، أو الأصحّ، عدا ما سيشترطه المفاوض الصهيوني إن وصل فعلاً لبحث إقامة دولة حتى بشروطه الكاملة (التي ليس فيها حتى دويلة).

فطريق المفاوضات والتسوية هو طريق في اتجاه واحد ولا يمكن أن يكون على غير ذلك. فلا يتفاصَحَنَّ أحدٌ على المفاوض الفلسطيني أنه كان باستطاعته أن يفعل "أفضل"، أو يأتي بنتائج مختلفة. فالقانون الحاكم، هو ما أثبتته التجربة. ودعك من الافتراضات الوهمية واللاواقعية التي لم تأخذ، في الاعتبار استراتيجية المفاوض الإسرائيلي واستراتيجية اميركا ومؤيديهما. فمن يطالب بمفاوضات بديلة إنما يقدّم ورقة حسن سلوك لا أكثر، إن لم يكن ساذجاً وتبسيطياً.

فمن يرد التفاوض والعملية السياسية فذلكم الطريق الوحيد، وإلاّ لا مفاوضات ولا عملية تسوية خارج المعادلة المحكومة بالإستراتيجيتين المتكاملتيْن المذكورتيْن: استراتيجية الكيان الصهيوني واستراتيجية الولايات المتحدة.

ولهذا لا طريق غير ذلك الطريق الذي اتخذته المفاوضات والعملية السياسية، ولا نهاية غير النهاية التي وصلتها الأوضاع وذلك الطريق حتى الآن.

ومن ثمّ من العبث تجريب المجرّب، أو التشاطر في مجال لا تشاطر فيه لمن يريد دخول المفاوضات والعملية السياسية. ولهذا:

- إما الإيغال في الطريق نفسها وقد باتت نهاياتها معروفة بما يجعل استمرار السير في هذا الطريق محالاً؛ لأنه طريق لتصفية القضية والانتحار الذاتي.

- ليس أمامنا وضمن ما آلت إليه الأوضاع في الضفة الغربية، حيث الترجمة العملية للمفاوضات والعملية السياسية، غير التركيز على مقاومة الاحتلال ووضع حدّ للتدهور الذي وصلته "فتح" والقضية الفلسطينية والسلطة والوضع الفلسطيني بعامّة، بسبب السير على طريق المفاوضات وعملية التسوية والرهان عليهما. وذلك بسبب وهم إيجاد حلّ يحقق عشر معشار الحق الفلسطيني أو مصلحة الشعب الفلسطيني. فقد زاد الاستيطان تغوّلاً وقضماً لأراضي الضفة الغربية وتهويداً للقدس، وانتقل التفاوض ومسار التسوية إلى بحث يهودية الدولة أي التنازل عن أصل الحق في فلسطين، بل زاد الاحتلال هيمنة على الضفة الغربية لا سيما مع الاتفاق الأمني والتعاون الأمني. ولم يخطئ من وصفه باحتلال خمس نجوم. ولهذا خلاصة:

- ليس أمامنا من هدف يمكننا العمل في اتجاهه غير مقاومة الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس. الأمر الذي يتطلب أول ما يتطلب وقف التعاون الأمني مع قوات الاحتلال، في ظل الاستمساك بالحقوق والثوابت كاملة بلا عوج.

- لا بدّ من التخلص من الأوهام حول الرهان على أميركا أو الرباعية أو التعاون الأمني أو بناء المؤسسات تحت الاحتلال لإقامة الدولة، لأن التجربة المريرة أثبتت النتائج الوخيمة على الشعب الفلسطيني والقضية، والمترتبّة عن مثل هذه الرهانات.

- إن مقاومة الإحتلال ومواجهته وليس مفاوضته والتعاون معه، تحملان آفاقاً واسعة لفرض الانسحاب عليه كما حدث في جنوب لبنان وقطاع غزة. أما في الأقل فبالتأكيد أن الاحتلال والمستوطنين لا يفهمون لغة التفاوض والعملية السياسية والتعاون الأمني.

- استناداً إلى طبيعة الصراع في فلسطين (صراع وجود) وفهم عميق لاستراتيجية الكيان الصهيوني وللإستراتيجية الأميركية لا يمكن أن تطبق منهجية مقاومة ومفاوضات كما حدث في بعض التجارب. ومن يطالب بذلك يخادع نفسه أو يخشى أن يُواجِه المعادلة الحاسمة في القضية الفلسطينية، وهي إما مقاومة وإما مفاوضة ولا جمع بينهما، مع التأكيد بأن المفاوضة تعني الانتحار الذاتي وتعريض القضية الفلسطينية إلى التصفية.

ربما اعتبرها البعض معادلة مرّة أو حقيقة مرّة. ولكنها في كل الأحوال ليست من اختراعنا، وإنما هذا ما يؤكدّه الواقع وتثبته التجربة

الخليج على حافة الحرب! عبد الباري عطوان



كاتب الموضوع : حسين الطبراني


الخليج على حافة الحرب
عبد الباري عطوان

  • 2010-12-30
عندما تعكف القوات المسلحة البريطانية على وضع خطط لاجلاء مئات الآلاف من البريطانيين العاملين،
او السياح،
في منطقة الخليج العربي،
تحسباً لنشوب حرب مع ايران، فاننا نضع ايدينا على قلوبنا،
لان هذه الخطوة تعتبر مؤشراً واضحاً على ان احتمالات هذه الحرب،
اكبر بكثير من احتمالات السلام.
فالقرارات في الدول الغربية،
وبريطانيا على وجه الخصوص لا تُتخذ بطريقة انفعالية،
او مزاجية،
وانما بناء على معطيات راسخة،
وخطط مدروسة،
وربما يفيد التذكير في هذا المضمار،
بخطوة بريطانية مماثلة جرى اتخاذها قبيل الحرب الامريكية البريطانية على العراق في كانون الثاني/يناير عام 1991،
حيث جرى ترحيل جميع الرعايا البريطانيين،
لتفتح بعدها ابواب جهنم على العاصمة العراقية بغداد والمدن الاخرى،
وبقية القصة معروفة.
الحكومات المنتخبة في الدول الديمقراطية تولي اهتماماً خاصاً بأرواح رعاياها،
وتأمين سلامة مواطنيها لان هناك من يحاسبها ويسقطها من الحكم في حال اي تقصير ولهذا لم يكن مفاجئاً ان تتضمن خطط اجلاء الرعايا البريطانيين هذه من دولة الامارات خصوصاً حيث الكثافة الاكـــبر اقامة محـــطة تجمع في سلطنة عمان بعد نقلهم براً،
وتخصيص سفن سياحية وحربية تتواجد في خليج عدن لتكون بمثابة فنادق عائمة لايواء هؤلاء،
الى جانب فتح مطارات اضافية في مناطق آمنة.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذه العجالة هو عن ارواح المواطنين الخليجيين (والمقيمين العرب والاجانب الاخرين) الذين قد تتحول بلدانهم الى ميادين للمواجهة في حال اندلاع هذه الحرب،
وهدف للآلاف من الصواريخ الايرانية من مختلف الاوزان والاحجام والمدى.
صحيفة 'الديلي تلغراف' البريطانية المقربة من حزب المحافظين زعيم الائتلاف الحاكم التي كشفت عن هذه المخططات، لم تعط اي اجابة عن هذا السؤال،
واكتفت بالقول ان هناك خططاً لتعزيز التعاون العسكري بين دولة الامارات العربية المتحدة وبريطانيا،
واعادت نشر ما ذكرته وثائق موقع 'ويكيليكس' حول ممارسة الحكام الخليجيين والسعوديين ضغوطاً على الولايات المتحدة وبريطانيا للتسريع بتوجيه ضربات لتدمير المنشآت النووية الايرانية.
صحيح ان الادارة الامريكية زودت بعض دول الخليج،
وخاصة الكويت،
والبحرين،
ودولة الامارات،
ببطاريات صواريخ 'باتريوت' للتصدي لأي هجمات صاروخية ايرانية انتقامية،
ولكن مثل هذه البطاريات ثبت فشلها في التصدي لاربعين صاروخاً اطلقها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين كرد على قصف بغداد عام 1991،
ولو كانت هذه الصواريخ تحمل رؤوساً كيماوية،
او بيولوجية،
لربما غيرت مسيرة الحرب،
واعادت رسم خريطة المنطقة بصورة مغايرة لصورتها الحالية.
وصحيح ايضاً ان الولايات المتحدة ستبيع لهذه الدول ما قيمته مئة وثلاثون مليار دولار من الاسلحة،
ولكن ما فائدتها اذا كانت هذه الدول عاجزة عن الدفاع عن نفسها دون الاستعانة بالقوات الاجنبية.
' ' '
هناك شبه اجماع في اوساط معظم الخبراء الاستراتيجيين في الغرب بان الحرب القادمة،
في حال اندلاعها،
ستكون مختلفة عن جميع الحروب الحالية والسابقة،
من حيث نوعية الاسلحة التي ستستخدم فيها اولا،
وصعوبة حسمها بسرعة ثانيا،
واستحالة التنبؤ بموعد انتهائها او النتائج التي يمكن ان تترتب عليها اقليميا ودوليا ثالثا.
الاسرائيليون هم المحرض الاكبر،
الى جانب بعض العرب،
على الحرب ضد ايران،
تماما مثلما كانوا المحرض الاكبر على العــدوان العسكري على العراق.
ويتولى حلفاؤهم في الولايات المتحدة تقديم المبررات التي يعتقدون انها مشروعة وضرورية لاقناع الادارة الامريكية بخوض حرب ثالثة (الاولى ضد افغانستان والثانية ضد العراق) لتغيير النظام في طهران،
وانهاء طموحاته النووية وهي في مهدها.
واذا كان افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي هو الممثل الحقيقي للغالبية العظمى من الاسرائيليين،
حيث يقول دائما في العلن بما يبطنون في السر،
فان توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاسبق هو الناطق الرسمي غير المتوج للمخططات الغربية،
والامريكية خاصة،
في منطقة الشرق الاوسط.
بلير هذا الذي تنهال عليه الملايين من الدولارات من الحكومات العربية الخليجية وغير الخليجية (ليبيا) تحت عنوان خدمات استشارية،
لم يخف مطلقا صداقته الحميمة لاسرائيل،
وقال في شهادته امام لجنة شيلكوت التي تحقق في اسباب وظروف الحرب الاخيرة ضد العراق،
انه يعتبر ايران الحالية اكثر خطرا من نظام صدام حسين عام 2003،
وانه لو كان في السلطة،
لما تردد في خوض حرب لتغيير النظام فيها وتدمير منشآتها النووية.
والاخطر من ذلك ان بلير (صديق العرب) قال في مقابلة مع قناة الجزيرة بثتها اخيرا لمناقشة مذكراته،
انه لم يندم،
ولو للحظة،
على استشهاد مليون عراقي في الحرب الاخيرة،
ووجد ان ترميل مليون امرأة وتيتيم اربعة ملايين طفل عمل مبرر اذا كان الثمن هو تغيير النظام في بغداد.
قيمة المواطن العربي،
من دول الماء كان او النفط،
او الصحراء،
تساوي صفرا في نظر هؤلاء الذين يخططون للحروب وينفذونها في عالمنا الاسلامي،
ولا نعتقد ان بلير وشركاءه سيذرفون دمعة واحدة اذا ما حصدت الحرب التي يحرضون على اشعال اوارها ارواح مئات الآلاف من العرب والمسلمين.
' ' '
الزعماء العرب،
باتوا مرعـــوبين من مجــرد ذكر خـــوض حــــرب ضد اسرائيل،
لتحرير المقدسات،
واستـــعادة الكــــرامة المهانة،
ويؤكـــدون دائـــما، خاصــة في مصر،
حرصهم على ارواح مواطنيهم،
وهـــو حرص مفهوم،
ولكنهم لا يترددون لحظة في خوض حـــروب امريكا بطريقة مباشرة او غير مباشرة،
والتضحية بارواح مواطنيهم،
ومستقبل بلدانهم،
وهم يعلمون في قرارة انفسهم،
ان الهدف من هذه الحروب الامريكية هو الحفاظ على اسرائيل دولة اقليمية نووية عظمى في المنطقة.
قبل عشرين عاما،
وبعد غزو العراق للكويت،
ازدحمت شوارع نايتسبردج وادجوار رود في قلب مدينة لندن بحوالي مئتي الف كويتي لجأوا اليها للنجاة بأرواحهم،
ولن نستغرب ان يتضاعف هذا العدد عدة مرات في حال اندلاع حرب جديدة في الخليج،
حيث لن يكون الكويتيون وحدهم اللاجئين هذه المرة.
صديق خليجي قال لي في محادثة هاتفية ان عشرات الطائرات الخاصة جاهزة للاقلاع باتجاه اوروبا فور اطلاق الصاروخ الاول في الحرب المتوقعة.
مؤشرات العام الميلادي الجديد الذي سيبدأ غدا لا تبشر بالكثير من الخير،
فهناك القرار الظني المتوقع صدوره عن محكمة الحريري الدولية،
وهناك عملية السلام التي خرجت من العناية المركزة الى القبر على يدي بنيامين نتنياهو،
وهناك التهديدات الاسرائيلية المتصاعدة لشن عدوان على قطاع غزة،
وهناك شبكات التجسس الاسرائيلية التي تخترق الامن القومي العربي في مصر وسورية ولبنان بكل سهولة ويسر.
قد تستطيع أمريكا تغيير الانظمة،
او بعضها لانها تشكل خطرا على هيمنتها والغطرسة الاسرائيلية،
ولكنها حتما لا تستطيع، تغيير الشعوب،
التي ستغير في يوم ما معادلات القوى لمصلحتها ولمصلحة قضايا الامة.
وكل عام وانتم بخير.
مجلة بريطانية تتوقع "حربًا مدمرة" بالشرق الأوسط في 2011

أرض الميعاد"... والتحولات المعاكسة


أرض الميعاد"... والتحولات المعاكسة
بقلم د. أسعد عبد الرحمن


"أرض الميعاد"... حلم كبير ظلت الحركة الصهيونية تسعى لإقناع يهود العالم، وعلى مدار عقود طويلة، أنه مخطط قابل للتطبيق. إلا أنه، في الفترة الأخيرة، بدأ ذلك الحلم يتلاشى من أعين وقلوب كثير من اليهود، فيما أدار آخرون ظهورهم له بعد أن تبينت استحالة تحقيقه. فالسنوات القليلة الماضية تظهر تراجع مؤشرات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وارتفاع معدلات الرحيل والهجرة المعاكسة منها، إلى بلدان أخرى أكثر أمناً ورفاهيةً. وفي يونيو الماضي، أعدت وكالة الأنباء الفرنسية تحقيقاً حول الهجرة اليهودية المعاكسة من إسرائيل وتحولاتها، فاعترف بعض مغادري إسرائيل إلى ألمانيا بتوديعهم "حلم أرض الميعاد" ووعوده إلى حيث الخدمات الحياتية التي تهيئها لهم الحكومة الألمانية.

يقول البروفيسور "غابي شيفر"، في مقال حديث نشرته "هآرتس" بعنوان "أصغوا ليهود الولايات المتحدة"، إن كثيراً من اليهود "يشعرون بصلة عاطفية ب (أرض إسرائيل) لكن لا بإسرائيل"، ويضيف أن "أكثر اليهود مقتنعون بأن إسرائيل ليست مركز (الشعب اليهودي) وأنه لا حق لها البتة في التدخل في شؤونهم وفي شؤون التربية اليهودية". ويحيل الكاتب إلى استطلاعات للرأي لا تُقتبس في إسرائيل، قائلا إنها توضح بأن "أكثر اليهود الذين اندمجوا تماماً في المجتمع الأميركي يكشفون عن عدم اكتراث مطلق بما يقع في إسرائيل. ويشعر 30 في المئة فقط من يهود الولايات المتحدة باكتراث عميق بما يحدث هنا".

وفي 4 أكتوبر 2010 كتب البروفيسور الفخري في جامعة حيفا "أرنون سوفير" مقالاً في "هآرتس" بعنوان "الشيطان السكاني حي"، وبعد أن تأمل في إحصائيات المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء، قال: "ما الذي يبهج في معطيات المكتب المركزي للإحصاء لسنة 2010؟! تبين لي أنه فيما يتعلق باليهود داخل إسرائيل فإنهم يمثلون 75.5 في المئة من السكان، وكانت تلك النسبة تصل 79.2 في المئة خلال عام 1998 و81.7 في المئة في عام 1988. وبكلمة أخرى، فإن نسبة اليهود بين سكان (إسرائيل) تتضاءل باستمرار، رغم تدفق حوالي مليون مهاجر إليها على مدى العقدين الفائتين".

أما صحيفة "وول ستريت جورنال"، في تقرير لمراسلها من القدس المحتلة، فقد أثارت مشكلة انخفاض أعداد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل وهواجس احتمال تفوق الفلسطينيين على اليهود عددياً، فقالت إن انخفاض أعداد المهاجرين اليهود، خاصة من الولايات المتحدة وأوروبا، يشكل خيبة أمل لقادة إسرائيل الذين أوجدوا دولتهم على أساس عقيدة تقول إن على جميع اليهود العيش في دولة خاصة بهم. وتنقل الصحيفة على لسان رئيس "الوكالة اليهودية من أجل إسرائيل"، قوله "إن موضوع التركيبة السكانية في إسرائيل والحفاظ على اليهود كأغلبية سكانية، سبب غير كاف لإقناع اليهود بالهجرة إلى إسرائيل، لذلك فعلى القادة اليهود الاعتراف بحقيقة وجود الشتات اليهودي".

ويقول "إينات فيشباين" في مقال "صداع في رأس العلمانية الإسرائيلية"، إن الرسوم البيانية تظهر مسار نمو إسرائيل، وكيف كان ينبغي أن تكون بالمقارنة مع الدول الغربيَّة، وأين هي في الوقت الراهن، مبيناً كيف كانت إسرائيل تنمو بشكلٍ مثير للإعجاب حتى السبعينيات، بل وتقترب من أميركا، وفجأة بدأ المنحنى يهبط بقوة في الرسم البياني المعروف باسم "حرب يوم الغفران"، التي تبين لاحقًا أن "لها آثاراً مثل الفيروس الذي لا يمكن لأحد علاجه، ومن حينها لم يعد الرسم البياني قادراً على استعادة صعوده السابق".
وفي مواجهة هذه المشكلة، أوردت "صحيفة يديعوت" أحرونوت في عددها بتاريخ 13 أغسطس 2010 خبراً مفاده أن "نخب الحكم والسياسة في إسرائيل تضطلع بحملة لاستعادة زهاء 4500 من العلماء وأصحاب الخبرات المتميزة الذين غادروا (الدولة) خلال السنوات الأخيرة سعياً وراء الأموال والمناصب في الخارج". وجاء في الخبر أنه "تم تدشين قاعدة بيانات تتضمن أسماء واختصاصات أعضاء هذه الشريحة الرفيعة بهدف الاتصال بهم وتقديم عروض مغرية لهم"، كما تم إعداد "خطة شخصية لكل واحد من هؤلاء العلماء تتناسب ووضعه الاجتماعي والعلمي، بهدف دمجه في الهيئة الأكاديمية الإسرائيلية بعد إزالة أسباب شكواه".

ورغم هذه الجهود وغيرها، يمكن الحديث عن فشل متنام للدوائر الصهيونية المسؤولة عن استقطاب يهود جدد. فالتطرف يجتاح المجتمع الإسرائيلي الذي بات يميل نحو أفكار اليمين الديني (والقومي) حتى باتت العقيدة الدينية الأكثر تأثيراً على توجهات الأحزاب والنخب السياسية في الدولة الصهيونية. وتؤكد استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي أن العقيدة اليهودية أضحت المحرك الأول لإسرائيل تليها المصالح السياسية، ومن ثم فقد ترسخت عقيدة "أبدية الصراع مع العرب"، وهو الأمر البارز الذي أضعف الإغراء عند اليهود بأن إسرائيل وطن قومي وآمن ليهود العالم، خاصة وأن هؤلاء يعيشون برفاه في معظم دول العالم، ولم تعد مغريات إسرائيل الاقتصادية توازي ما يحققونه داخل بلدانهم.

لقد قاد الخوف من فقدان الأغلبية اليهودية في إسرائيل (وسط محيط متزايد من العرب) إلى تكثيف محاولات إقناع يهود العالم بالهجرة إلى إسرائيل من جهة، وسن قوانين عنصرية من جهة أخرى تستهدف فلسطينيي 48 وتسعى لإجبارهم على الرحيل. فكل ما تخطط له القيادات الإسرائيلية، منذ تأكد تراجع الهجرة إلى إسرائيل وتعاظم الهجرة المعاكسة في عام 2008، هو عمليات استقطاب "يهود الخارج" لرفع منسوب اليهود داخل "إسرائيل" بفضل الأزمة الديمغرافية التي تؤرق أصحاب الحلم الصهيوني وتظهر مأزق الصهيونية ومشروعها في فلسطين تجاه هذه المسألة. لذلك، عملت "الوكالة اليهودية"، منذ عقود طويلة، على جلب أكبر عدد ممكن من يهود العالم إلى فلسطين لتحقيق التفوق العددي الذي تمت المراهنة عليه (عبر هجرة أو تهجير اليهود) باعتباره العمود الفقري الداعم لاستمرار المشروع الصهيوني المتجسد بالدولة الإسرائيلية. واليوم، فإن تراجع الهجرة الوافدة إلى "إسرائيل" وتعاظم الهجرة المعاكسة منها، تطوران يشكلان ضربة قاسية لأهم أسس الأيديولوجيا الصهيونية. وبذلك يتزايد التشكيك اليهودي بجدوى المشروع الصهيوني وكذبة "أرض الميعاد". بل إن التشكيك يتعزز بما جاء في تقرير "وول ستريت جورنال" على لسان "شارانسكي" نفسه من أن "أيام الهجرة الجماعية قد ولت"، الأمر الذي يفتح المجال على تغير مظاهر تقلص التفوق العددي من مجرد مظاهر... إلى تحولات نوعية!

غزة بين الآلام والآمال



غزة بين الآلام  والآمال
بقلم/د.إيهاب الدالي – كاتب من غزة

عاجل .............
قصف مكثف بالدبابات والـ"أف 16" يحرق مئات المنازل ويصيب عشرات المواطنين بغزة.....
استشهاد عدد من المواطنين وإصابة آخرين......
أغارت طائرات الاستطلاع الصهيونية على عدة مواقع مدنية واستهداف عدد من المباني والمساجد......
دبابات الاحتلال تتوغل في مناطق متعددة في القطاع، وواصلت القوات الإسرائيلية حملة تجريف الأراضي الزراعية للمواطنين........
مجزرة صهيونية جديدة على قطاع غزة.

تعودت الصحف الفلسطينية أن تكون تلك العبارات هي العناوين العريضة في صفحاتها الأولى.
ينام أطفال غزة على أصوات الصواريخ ويستيقظون عليها ويحلمون بها، على ذلك تعودوا وهي بالنسبة لهم الحدوتة اليومية.
فكلما يشرق علينا فجر جديد يحمل معه آمال مشرقة تطوي سنين القهر والعذاب ، يأبى الاحتلال إلا أن يدمر أحلامنا ويجهض من عزيمتنا .
فكلنا يذكر الانتفاضة الأولى عام 1987م وما حملته من قتل وتدمير ونهب للأراضي وتضييع للحقوق، وصور الجنود الصهاينة وهم  يكسرون لأذرع الفلسطينيين وجماجمهم تلك كانت سياسة المجرم رابين .
فبزغت علينا أمال بأن نعيش كباقي الشعوب فطوت أوسلو في عام 1993م تلك المرحلة وفرح أهلنا في غزة بل في فلسطين كلها واستقبلوا القيادات وعلى رأسهم الشهيد ياسر عرفات بالورود والزغاريد ، وسرعان ما اختفت تلك الفرحة وانكشفت المؤامرات الصهيونية من ملاحقة للمجاهدين واستهدافهم، وبناء المزيد من المستوطنات وتوسيعها وسرقة الأراضي ونهب للمياه الفلسطينية ، وكذلك الحفريات تحت الأقصى ومحاولة تهويد القدس .
أراد شارون أن يدنس المسجد الأقصى فهب الشرفاء نصرة لأولى القبلتين واندلعت الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) عام 2000م  ودمرت طائرات العدو كل مقومات الدولة الفلسطينية من مطار غزة الدولي والمراكز الأمنية والحكومية واستهدفت العديد من القادة العظام والمسئولين السياسيين من كافة الفصائل الفلسطينية، ظناً منها بأنها ستكسر من شوكة وعزيمة الفلسطينيين.
ولكن إرهابهم لا يزيدنا إلا إيمانا بزوال الاحتلال وإصراراً على تلبية فريضة الجهاد، وتم دحر قطعان المستوطنين وانتهى الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في قطاع غزة في سبتمبر 2005م وأقيمت الاحتفالات  الضخمة والمهرجانات احتفالاً بهذا النصر المحدود.
وبدأ المواطنون بالتقاط أنفاسهم  وجرت الانتخابات الفلسطينية الرئاسية في عام 2005م  وعبر الشارع الفلسطيني عن رأيه بكل نزاهة وانتخب السيد محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية ، وحركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006م .
ولكن اصطدم الشارع الفلسطيني بالواقع المرير والمواجهات والاقتتال الداخلي وكانت من أصعب الأيام  التي شاهدناها حيث تركنا عدونا الحقيقي يتربص لنا والذي أعلن فيما بعد أن قطاع غزة "كيان معادِ".
وجاء اتفاق مكة لعله ينهي تلك الفترة المؤلمة ويتكاتف الفلسطينيون ويوحدوا كلمتهم ويقفوا في خندق واحد لمواجهة العدو الحقيقي حتى دحره من أرضنا، فخرج الناس إلى الشوارع من كافة الفصائل والأعمار فرحين بيوم جديد وأمل يتجدد وأطلقوا آلاف الرصاصات في الهواء تعبيراً عن سعادتهم بالوحدة الوطنية .
واختطفت الابتسامة وسرقت الأحلام  وحوصرت غزة ولا أجد كلمات أعبر فيها عما حدث حكومتين لوطن مغتصب حكومة  في غزة وأخرى في رام الله، وعبرت طائرات العدو عما يريده المجتمع الدولي عبر الصواريخ والقنابل الفوسفورية فشنت على قطاعنا الحبيب في27 ديسمبر 2008م حرباً أكلت الأخضر واليابس .
هذا هو قدرك يا غزة  أن تعيشي بين الآلام  والجروح وبين آمال التحرير والنصر المبين  .

ويطل علينا  عام 2011م إشراقه لأمال جديدة وليكن هو :
عام تحرير الأسرى  وإتمام الصفقة دون استثناء أو إبعاد أحد منهم .
عام المصالحة الوطنية (مصالحة حقيقية) وإعادة اللحمة لشطري الوطن.
عام فك الحصار عن قطاع غزة وفتح جميع المعابر والحدود.
عام النصر والتمكين .

وبما أن الموت حتماً آت في موعدِ لا يعلمه إلا الله ، فليكن شهادة في سبيل الله، منتفضين على كل المؤامرات والإتفاقات المهينة ، ونأبى إلا أن نعيش حياةً حرةً كريمةً رافعين رؤوسنا لا نركع إلا لله ماضين قدماً حتى تحرير كل شبر في فلسطين .

د.إيهاب الدالي – كاتب من غزة